الائتمان المصرفي في 2026..من زيادة الطلب على القروض إلى دعم الاستثمار والنمو
في الاقتصاد لا يكفي أن نعرف أن رقمًا ما ارتفع وإنما الأهم أن نفهم لماذا ارتفع وإلى أين يتجه وما الذي يمكن أن يتركه من أثر. وهذا تحديدًا ما ينطبق على نمو الائتمان المصرفي في مصر خلال النصف الأول من عام 2026 فارتفاع محافظ القروض والتسهيلات في وقت لا تزال فيه تكلفة الاقتراض مرتفعة نسبيًا ليس مجرد تطور مصرفي عابر وإنما إشارة تستحق التوقف أمامها.
فالسؤال هنا لم يعد: كم أقرضت البنوك؟ وإنما أصبح: لماذا يزداد الطلب على التمويل؟ وأين تذهب هذه الأموال؟ وهل تمثل بداية موجة استثمارية جديدة أم أنها في جانب منها مجرد استجابة لاحتياجات التشغيل والسيولة؟
الأرقام تكشف بالفعل عن توسع واضح في النشاط الائتماني فقد ارتفعت قروض وتسهيلات العملاء لدى 12 بنكًا مدرجًا بالبورصة المصرية إلى نحو 1.937 تريليون جنيه بنهاية يونيو 2026 مقابل 1.676 تريليون جنيه بنهاية ديسمبر 2025 بزيادة تقارب 260 مليار جنيه، وبنمو بلغ نحو 15.5% خلال ستة أشهر فقط وفق البيانات .
ورغم أهمية هذا النمو فإن قراءته باعتباره دليلًا مباشرًا على طفرة استثمارية قد تكون قراءة متعجلة فالائتمان ليس له اتجاه واحد. فقد يذهب إلى إنشاء مصنع جديد أو شراء خطوط إنتاج ومعدات لكنه قد يوجه كذلك إلى تمويل رأس المال العامل وتغطية الاحتياجات التشغيلية وتمويل التجارة أو إعادة ترتيب الالتزامات القائمة.
ومن هنا تبدأ القراءة الحقيقية للرقم.
فالشركات المصرية تحتاج إلى التمويل ليس فقط عندما تقرر التوسع وإنما أيضًا عندما تعمل في بيئة تتطلب سيولة أكبر لتأمين احتياجاتها اليومية.
ارتفاع تكلفة المدخلات وطول دورة التحصيل والحاجة إلى الاحتفاظ بمخزون مناسب كلها عوامل تجعل التمويل المصرفي ضرورة لاستمرار النشاط في كثير من الحالات.
ولعل ذلك يفسر جانبًا مهمًا من الزيادة في تمويلات الشركات التي ارتفعت بنحو 139.6 مليار جنيه خلال النصف الأول من العام لتقترب من 1.6 تريليون جنيه.
وهذا يعني أن شهية الشركات للحصول على التمويل ما زالت قوية رغم ارتفاع تكلفة الاقتراض. لكنني لا أرى أن هذه الزيادة يمكن تفسيرها كلها بتحسن الثقة الاستثمارية فجزء مهم من الطلب يبدو مرتبطًا بتمويل دورة التشغيل والحفاظ على انتظام النشاط.
وهنا يجب التفرقة بين أمرين متشابهين في الشكل مختلفين في الأثر.
فالشركة التي تحصل على قرض لإنشاء خط إنتاج جديد ليست كالشركة التي تحصل على تمويل لتغطية فجوة مؤقتة في السيولة. الأولى تضيف طاقة إنتاجية جديدة وقد تخلق فرص عمل وترفع الصادرات بينما الثانية تحافظ على نشاط قائم وتمنحه قدرة أكبر على الاستمرار. وكلاهما ضروري لكن أثر كل منهما على النمو الاقتصادي مختلف.
كما أن ارتفاع أسعار الفائدة يفرض زاوية أخرى في قراءة نمو المحافظ الائتمانية إذ إن ارتفاع تكلفة خدمة الدين يمكن أن يرفع القيمة الاسمية للتسهيلات القائمة حتى في الحالات التي لا تقابلها زيادة مماثلة في حجم النشاط الاقتصادي الحقيقي.
وبحسب بيانات البنك المركزي المصري بلغ متوسط سعر العائد على قروض الشركات بالجنيه لأجل نحو 20% في يوليو 2026، وهو مستوى يجعل قرار الاقتراض أكثر ارتباطًا بقدرة المشروع على تحقيق عائد يغطي تكلفة التمويل ويجعل الشركات أكثر انتقائية في قراراتها التمويلية.
ومن ثم فإن استمرار الطلب على الائتمان رغم هذه التكلفة يحمل رسالة مهمة: هناك احتياجات حقيقية للسيولة والتمويل لا يمكن تأجيلها لكن هذا لا يعني بالضرورة أن الاقتصاد كله دخل مرحلة توسع استثماري واسع.
وفي الجانب الآخر من المعادلة تظهر نقطة إيجابية لا تقل أهمية، وهي نمو الودائع بالتوازي مع نمو القروض. فقد ارتفعت ودائع العملاء لدى البنوك محل المقارنة بنحو 524 مليار جنيه خلال الأشهر الستة الأولى من العام لتقترب من 3.97 تريليون جنيه.
وهذا النمو يعكس قدرة القطاع المصرفي على جذب مدخرات جديدة وتكوين قاعدة موارد تمكنه من الاستمرار في تمويل الاقتصاد، مع الحفاظ على التوازن بين حجم الموارد المتاحة وحجم الائتمان الممنوح.
لكن التحدي الحقيقي خلال المرحلة المقبلة لن يكون في زيادة أرقام الإقراض فقط وإنما في اتجاه التمويل نفسه.
فمصر تحتاج الآن إلى ائتمان يتحول إلى إنتاج، ويزيد القيمة المضافة ويدعم الصناعة ويعزز الصادرات ويوسع قاعدة المشروعات الصغيرة والمتوسطة ويمول القطاعات القادرة على توفير النقد الأجنبي.
ومن هنا تبرز الصناعة والزراعة والصناعات الغذائية إلى جانب التجارة والخدمات والإنشاءات واللوجستيات والأنشطة التصديرية باعتبارها مجالات قادرة على استيعاب التمويل وتحويله إلى نشاط اقتصادي ملموس.
كما أن المشروعات الصغيرة والمتوسطة تظل واحدة من أهم حلقات هذه المنظومة ليس فقط بسبب حجم التمويل الموجه إليها وإنما لما تمثله من قاعدة واسعة للإنتاج والتشغيل.
وكلما نجحت البنوك في توسيع قاعدة العملاء من أصحاب هذه المشروعات وفق ضوابط ائتمانية سليمة اتسع أثر التمويل على الاقتصاد الحقيقي.
وفي المقابل ستظل البنوك أكثر حذرًا تجاه الأنشطة التي ترتفع مخاطرها أو تتأثر بصورة أكبر بالتوترات الجيوسياسية وتقلبات الأسواق وتغيرات أسعار الصرف وهو أمر طبيعي في ظل حرصها على الحفاظ على جودة محافظها الائتمانية.
أما الاستثمار المحلي والأجنبي فيمثل الحلقة التي يمكن أن تنقل الائتمان من مجرد تمويل للنشاط القائم إلى أداة لزيادة الطاقة الإنتاجية.
فالمشروع الاستثماري الجديد لا يحتاج إلى التمويل لحظة إنشائه فقط بل يحتاج إلى رأس المال العامل وشراء المعدات وتمويل الموردين والتوسع والنقل والخدمات والتشغيل. ولذلك فإن زيادة الاستثمارات تخلق بطبيعتها احتياجات تمويلية جديدة يمكن للقطاع المصرفي أن يلعب دورًا محوريًا في تلبيتها.
ويزداد هذا الدور أهمية مع تحسن توافر النقد الأجنبي واستقرار سوق الصرف بدرجة أكبر لأن توفر العملة الأجنبية يعطي الشركات مساحة أوضح للتخطيط ويخفف من حالة عدم اليقين المرتبطة بالمدخلات المستوردة والالتزامات الخارجية.
لكن المكسب الأكبر لا يتحقق بمجرد توافر التمويل أو النقد الأجنبي وإنما عندما تتجه هذه الموارد إلى قطاعات إنتاجية قادرة على زيادة الصادرات أو إحلال الواردات أو توليد موارد جديدة من العملة الأجنبية.
وفي الوقت نفسه لا يمكن فصل نمو الائتمان عن تحسن مؤشرات النشاط الاقتصادي. فقد أشار البنك المركزي المصري إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنحو 5% خلال الربع الأول من عام 2026، مع توقع متوسط نمو يقارب 5% خلال السنة المالية 2025/2026.
وهنا أرى أن العلاقة بين الائتمان والنمو لا تسير في اتجاه واحد فعندما يتحسن الاقتصاد تزداد حاجة الشركات إلى التمويل وعندما يتوافر التمويل بصورة مناسبة تصبح الشركات أكثر قدرة على زيادة الإنتاج والاستثمار والتوسع. وبالتالي يمكن أن يكون نمو الائتمان نتيجة للنمو الاقتصادي وفي الوقت نفسه أحد العوامل التي تدعم استمراره.
لكن أسعار الفائدة ستظل العامل الأكثر تأثيرًا في شكل هذه العلاقة خلال الفترة المقبلة.
فأي انخفاض إضافي في تكلفة الاقتراض يمكن أن يعيد إلى السوق شركات وأفرادًا كانوا قد أجلوا قراراتهم التمويلية خلال فترات ارتفاع الأسعار. غير أنني لا أعتقد أن خفض الفائدة وحده قادر على إطلاق موجة استثمارية جديدة.
فالمستثمر لا ينظر إلى سعر الفائدة فقط، وإنما يضع في حساباته حجم الطلب المتوقع وتكلفة الإنتاج وسعر الصرف وتوافر مدخلات الإنتاج والبيئة التنظيمية وقدرته على تحقيق عائد يغطي تكلفة التمويل والمخاطر.
بمعنى آخر الفائدة المنخفضة تساعد الاستثمار، لكنها لا تصنعه وحدها.
والأمر نفسه ينطبق على التضخم فقد ارتفع التضخم الحضري إلى 14.9% في يوليو 2026 مقابل 14.3% في يونيو. بينما سجل التغير الشهري في الأسعار صفرًا خلال يوليو. وهذه الأرقام تشير إلى تحسن في بعض المؤشرات لكنها في الوقت نفسه تؤكد أن ملف الأسعار لم يخرج بعد من دائرة المتابعة الدقيقة.
ولهذا جاء موقف البنك المركزي حذرًا إذ أبقى في اجتماعه الأخير أسعار العائد الأساسية عند 19% للإيداع و20% للإقراض في انتظار المزيد من الوضوح بشأن اتجاه التضخم والمخاطر المحيطة به.
وأعتقد أن النصف الثاني من عام 2026 سيكون أكثر أهمية من النصف الأول للحكم على طبيعة هذا التوسع الائتماني.
فإذا استمر تحسن النشاط الاقتصادي وانخفضت تكلفة التمويل تدريجيًا وتحسنت توقعات المستثمرين فمن الطبيعي أن نرى زيادة في الطلب على القروض ومع الوقت يمكن أن ينتقل جانب متزايد من التمويل من مجرد احتياجات التشغيل إلى التوسع والاستثمار.
أما إذا استمرت الضغوط على تكاليف الإنتاج والسيولة فقد يستمر نمو الائتمان ولكن بوتيرة تعكس احتياجات النشاط القائم أكثر مما تعكس إنشاء طاقات إنتاجية جديدة.
وهنا يظهر الاختبار الأصعب أمام البنوك: ليس فقط كم ستقرض وإنما لمن ستقرض وفي أي قطاعات، وبأي معايير للمخاطر.
فالتوسع الائتماني لا يكون نجاحًا مصرفيًا حقيقيًا إذا جاء على حساب جودة الأصول. والقطاع المصرفي مطالب بالموازنة بين دعم النشاط الاقتصادي والحفاظ على سلامة محافظه وقدرته على مواجهة أي تقلبات مستقبلية.
لذا أعتقد أن أكبر خطأ يمكن أن نقع فيه هو النظر إلى نمو القروض باعتباره هدفًا في حد ذاته.
فالرقم مهم لكنه ليس القصة كلها.
القصة الحقيقية تبدأ عندما نعرف: كم من هذه الأموال ذهب إلى مصنع جديد؟ وكم مول توسعًا إنتاجيًا؟ وكم ساعد على زيادة الصادرات؟ وكم خلق فرص عمل؟ وكم خفّض الضغط على الواردات؟
فإذا تحولت الزيادة في الائتمان إلى إنتاج واستثمار وتشغيل وصادرات فإنها ستكون علامة قوية على انتقال الاقتصاد المصري إلى مرحلة أكثر قوة واستدامة.
أما إذا ظل الجزء الأكبر منها موجهًا إلى تمويل الاحتياجات التشغيلية وإعادة ترتيب الالتزامات فسيظل نمو القروض مؤشرًا إيجابيًا للقطاع المصرفي لكنه لن يكون وحده دليلًا كافيًا على دخول الاقتصاد مرحلة استثمارية جديدة.
و من ثم فإن القضية ليست كم اقترض الاقتصاد؟ وإنما ماذا فعل بالمال الذي اقترضه؟
فهذه هي النقطة الفاصلة بين مجرد نمو الائتمان وبين تحول الائتمان إلى وقود حقيقي للإنتاج والاستثمار والنمو الاقتصادي.
بقلم: د. محمد سيد احمد






اترك رد