كيف يتعافى الاقتصاد المصري؟ وكيف يصبح الجنيه عملة عالمية ؟
إنَّ عراقة مصر التاريخية التي تمتد جذورها آلاف السنين، وفخامة أهرامها، وروعة آثارها، وسخاء نيلها، وخصوبة أرضها، وجمال شواطئها، وكثرة علمائها، ومهارة صنَّاعها، وتنوع مواردها وثرواتها، وتميز موقعها، وأهمية ممراتها تجاريًا واقتصاديًا، وثقلها السياسي والعسكري إقليميًا وعالميًا؛ كلُّ ذلك يؤهلها للريادة العالمية.
وتعثر مصر في الوقت الراهن لا يقلل من قوتها ومكانتها ومقوماتها الاقتصادية؛ لأنَّها ترتكز على كنوز وثروات وموارد لا تنفد ما دام الليل والنهار، ومصداق ذلك في قول الله تعالى عن نعيم مصر:
{فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ } [الشعراء:57-58].
أهمية الموضوع
إنَّ المتأمّل في الوضع الاقتصادي العالمي في العقود الخمسة الأخيرة يجد موجات من التضخم لم يُسبق لها مثيل في تاريخ البشرية، فمعدل التضخم في ارتفاع دائم في كل دول العالم؛ حتى في الدول المزدهرة اقتصاديًا.
ومعلوم أنَّ مشكلة التضخم من أخطر المشكلات التي يعاني منها العالم المعاصر؛ لما تسببه من غلاء في الأسعار، وانخفاض في قيمة النقود، وزيادة في معدلات الفقر، وما ينتج عن ذلك من آثار اجتماعية سيئة مثل البطالة والتسوّل وكثرة الجرائم وغير ذلك.
والسبب الرئيس في ذلك هو الالتزام بـ قاعدة الدولار التي تفتقر إلى معيار ثابت ومقياس مستقر منذ اعتمادها عام (1971م)؛ لأنَّ أوراق تلك العملة تُطبع بكميات كبيرة من غير غطاء من الذهب أو المعادن الثمينة، ومن غير تناسب مع الثروات والمنتجات، ويحدث التناقص والتآكل المستمر في قيمتها النقدية بسبب الأوضاع السياسية والاقتصادية الخاصة بالدولة المصدرة لها.
والتشخيص الدقيق لهذه الظاهرة المرضية هو أنَّ الدولار لم يُستخدم كعملة دولية يرتبط بها سعر صرف العملات الأخرى فحسب؛ بل تمَّ استغلاله لتوليد المال من غير تبادل تجاري حقيقي، أو بذل سلعة أو خدمة نافعة، أو إجراء معاوضة عادلة، ولذلك نجد الأرباح الباهظة تُجنى من وراء طبع أوراق الدولار والعملات المهيمنة وبيعها، أو إقراضها بالفائدة التي تفرضها المصارف وبيوت المال في أمريكا والدول العظمى.
وبذلك يتبيَّن لنا – نظريًا وواقعيًا – أنَّ قاعدة الدولار غير صالحة لضبط التبادل التجاري في النظام الاقتصادي المعاصر؛ لما تسببه من مشكلات اقتصادية وأزمات مالية عديدة، وأنَّها قد ضعفت الثقة فيها؛ لما لها من سلبيات خطيرة يتضرر منها كل دول العالم وخاصة الدول النامية، ولذلك يجب أن تنهض مصر اقتصاديًا وأن يصبح الجنيه عملة عالمية، وأن يعتمد على قاعدة الذهب التي تُعد أكثر أمانًا وأقل خطورة.
الإصلاحات الاقتصادية اللازمة لعالمية الجنيه المصري
ترتكز هذه الإصلاحات على زيادة الثروات والموارد، والانتفاع بها في الاستهلاك والإنفاق المعتدل، والاستثمار في الصناعة والمشروعات الإنتاجية؛ لزيادة حجم التبادل التجاري الذي يعزز من قيمة الجنيه المصري، ويساعد على التنمية الاقتصادية. وأبرز هذه الإصلاحات:
- اكتشاف الثروات وزيادة الموارد؛ مثل التنقيب عن النفط والغاز والمعادن، واستصلاح الأراضي لزيادة الرقعة الزراعية.
- ترشيد الاستهلاك والاعتدال في الإنفاق، وذلك بمحاربة الفساد ومنع الاختلاس من أموال الدولة، وتجنب التبذير والإسراف وهدر الأموال في غير منفعة.
- توجيه المال إلى الاكتفاء الذاتي من السلع الأساسية؛ بدلاً من استيراد السلع الكمالية بالعملات الأجنبية.
- الإكثار من المشروعات الإنتاجية لزيادة حجم التبادل التجاري، والتقليل من المشروعات الخدمية غير الضرورية.
- غلق باب الاقتراض الخارجي، وفتح باب التمويل الاستثماري بتوجيه المستثمرين والمودعين أموالهم في البنوك إلى استثمار الأموال في مشروعات إنتاجية نافعة.
- تصفير الفائدة وجعل المال مقابل الإنتاج؛ لأنَّ سعر الفائدة المنخفض يعزز من حجم الاستثمار، ويحدث ذلك بتحويل عقود البنوك من إيداع بفائدة إلى توكيل بأجرة، ومن إقراض لمدين بفائدة أكبر إلى شركة مضاربة في مشروع إنتاجي؛ يُقسَّم فيه الربح حسب النسبة المتفق عليها.
- التقليل من الضرائب، والتعامل مع المستثمرين بنظام الضرائب التصاعدية، وإعفاء أصحاب المشروعات الصغيرة منها في السنوات الأولى.
الإجراءات الاقتصادية اللازمة لعالمية الجنيه المصري
يمكن استغلال الثروات والامتيازات التي تتميز بها مصر في تدويل الجنيه المصري وتحويله إلى عملة عالمية، وذلك باتخاذ الإجراءات والمقترحات الاقتصادية الآتية:
أولاً: تقدير سعر صرف الجنيه المصري بالذهب
عندما تمت اتفاقية بريتون وودز عام (1944م) كانت الأوقية (الأونصة) من الذهب التي تزن (31 جم) تعادل (35 دولارًا)، وظل السعر مستقرًا ما يزيد على ربع قرن؛ لأنّ الدولار كان له غطاء ذهبي، فالذهب هو سر الاستقرار في ذلك الوقت، ولكن لمَّا أعلن الرئيس نيكسون إلغاء الغطاء الذهبي وتعليق تحويل الدولار إلى ذهب عام (1971م)؛ تناقصت قيمته حتى وصل سعر أوقية الذهب إلى أكثر من أربعة آلاف دولار في عام (2026م)، وتناقصت قيمة جميع العملات تبعًا للدولار، وزاد معدل التضخم أكثر من مائة وعشرين ضعفًا.
ولا شك أنَّ أي تآكل لقيمة العملة يؤدي إلى ظلمٍ وبخسٍ في حقوق الناس، ويعود بالأثر السيء على العدالة الاجتماعية والصالح العام؛ لذا أرى أنَّ تقدير سعر صرف الجنيه المصري بالذهب يحافظ على قيمته، ويرفع سعره مقابل الدولار والعملات الأخرى؛ لأن الذهب معدن نفيس ثابت القيمة غالبًا، ومعيار حقيقي للأشياء؛ فإذا ارتبطت به النقود يصبح معدل زيادتها قريبًا من زيادة المعدل الحقيقي للنمو، ويزيد الاقتصاد الحقيقي والاقتصاد المالي بنفس النسبة؛ فلا يحدث تضخم أو غلاء في الأسعار إلا في الحالات الاستثنائية مثل الحروب والكوارث.
والذي يتناسب مع مكانة مصر السياسية والعسكرية، وثرواتها ومواردها الاقتصادية؛ أن يُثبَّت سعر الجنيه الواحد بما يعادل (0,001 جم) من الذهب النقي (عيار 24)، وعلى هذا يكون سعر الجرام الواحد (1000 جنيه مصري)، وبالتالي يكون سعر الدولار في هذه الحالة قريبًا من (7 جنيهات).
قد يبدو هذا الإجراء في أول وهلة أمرًا شكليًا، وخاصة أنَّه قد جُرِّب مع بعض الدول المتعثرة اقتصاديًا ولم يُجدِ نفعًا، ولكنَّ ذلك غير صحيح؛ لأنَّ الذي فعلته تلك الدول هو تعديل مسمَّى العملة وليس قيمتها الحقيقية؛ بأن يجعل الورقة فئة جنيه واحد مكان الورقة فئة (100 جنيه) مثلاً ليقلل من عدد الأوراق المالية، لكن إذا تم تقدير سعر العملة بالذهب تتغير قيمتها الحقيقية وليس مُسمَّاها فقط.
وقد يتوجه اعتراض بأن الجنيه في هذه الحالة يحتاج إلى دعم كبير؛ لأنَّ سعر جرام الذهب (عيار 24) الآن يزيد على سبعة آلاف جنيه، وهذا صحيح؛ ولكنَّ الدعم ابتداءً سيكون في مقابل الذهب فقط، أما مقابل الدولار والعملات الأخرى وجميع السلع والخدمات فإنَّ ذلك الدعم سيكون محفوظًا في قيمة الجنيه، وسيتم تعويضه عندما يتناقص الدولار تدريجيًا كعادته بينما يظل الجنيه ثابت القيمة لارتباطه بالذهب. كما أنَّ في الإصلاحات السابقة والإجراءات التالية تعويضًا لهذا الدعم بما لا يضر باقتصاد الدولة.
ولا يستلزم تقدير سعر الجنيه بالذهب اشتراط غطاء ذهبي فعلي لجميع أوراق الجنيه المصري؛ بل الغطاء الحقيقي هو كل ما تمتلكه الدولة مما يمكن بذله والتجارة فيه من ثروات ومنتجات وسلع وخدمات وامتيازات.
ثانيًا: التركيز الأكبر في المخزون الاحتياطي على الذهب
وإذا تم تقدير سعر الجنيه بالذهب؛ فإنَّ ذلك يستدعي التركيز الأكبر في المخزون الاحتياطي على الذهب، ثم الفضة والمعادن النفيسة، ثم التنويع بين العملات الأجنبية العالمية، وعدم الاقتصار على الدولار؛ ليظل الجنيه في مأمن من التناقص وانخفاض القيمة.
ثالثًا: استغلال الثروات والامتيازات التي تتمتع بها مصر في تدويل الجنيه المصري إقليميًا وعالميًا
استغلال ثروات الدولة ومنتجاتها وامتيازاتها في تدويل الجنيه المصري وتعزيز قيمته يكون بوسائل متعددة؛ أهمها:
أ. اعتماد الجنيه عند الشراكة في المشروعات الاستثمارية؛ مثل المشروعات المشتركة بين مصر وروسيا في قطاع السياحة وإنشاء محطة الضبعة للطاقة النووية وغيرها.
ب. تحصيل الضرائب الجمركية بالجنيه، وإدراجه ضمن العملات التي يُحصَّل بها رسوم المرور عبر قناة السويس.
ت. تصدير الثروات والمنتجات وتأجير الآثار بالجنيه، والتبادل التجاري مع الدول الصديقة بالعملات المحلية من غير توسط الدولار الأمريكي.
ث. توجيه الحلفاء السياسيين إلى اعتماد الجنيه مقابل الدعم السياسي في قضية من القضايا، أو مقابل الإعلان بالتعاون الأمني أو العسكري.
ج. استثمار مصر لموقعها المتميز بتوسطها بين ثلاث قارات، ومرور معظم التجارة العالمية عبر أراضيها في الشراكة التسويقية مع بعض الدول؛ كتسويق السيارات والأجهزة الكهربائية اليابانية والصينية في إفريقيا مقابل اعتماد الجنيه المصري.
الفوائد والمكاسب السياسية والاقتصادية لعالمية الجنيه المصري
ينتج عن عالمية الجنيه المصري العديد من الفوائد والمكاسب السياسية والاقتصادية؛ أهمها:
- وقف التضخم وغلاء الأسعار؛ مما يؤدي إلى استقرار التعاملات التجارية، وتحسين الاقتصاد، وعلاج المشكلات الاجتماعية؛ مثل الفقر والبطالة والتسوّل وكثرة الجرائم وغير ذلك.
- ارتفاع سعر صرف الجنيه المصري أمام الدولار والعملات الأخرى؛ مما يوفر للدولة مليارات الدولارات سنويًا.
- تقليل شراء الدولار، وتوفير التكلفة الناتجة عن توسطه في التعاملات التجارية مع الدول الأخرى.
- إضعاف الهيمنة الأمريكية التي تعتمد على سيطرة الدولار على الاقتصاد العالمي والتجارة الدولية.
- المزيد من العلو السياسي والاقتصادي لجمهورية مصر العربية بين دول العالم.
وخلاصة ما سبق.. أنَّ تدويل الجنيه المصري وتحويله إلى عملة عالمية له فوائد ومكاسب متعددة ومتنوعة، ولا ينتج عنه أية أضرار أو خسائر اقتصادية أو سياسية، وتسعيره بالذهب يحافظ على قيمته، ويساعد في علاج مشكلة التضخم، ويعمل على استقرار الأسعار، ويساهم في تنمية الاقتصاد.
هذا .. والله ولي التوفيق
بقلم: أ.د. طاهر نصَّار – أستاذ بجامعة طيبة بالمدينة المنورة (سابقًا)
المراجع
- نحو نظام نقدي عادل.. دراسة للنقود والمصارف والسياسة النقدية في ضوء الإسلام؛ د. محمد عمر شابرا، ترجمة سيد محمد سكر، مراجعة الدكتور رفيق المصري، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، دار البشير، عمان بالأردن، ط2، 1410ه؛ 1990م.
- التبادل التجاري مقابل تبادل العملة قاعدة اقتصادية تعالج مشكلة التضخم؛ أ.د. طاهر نصار، نشر مجلة أكاديمية شمال أوربا المحكمة بالدنمارك، العدد (21) أكتوبر 2023م.
- موت النقود؛ جويل كرتزمن، ترجمة وتقريب د. محمد بن سعود العصيمي، دار الميمان، الرياض، ط1، 1431ه؛ 2010م.
- النظرية العامة للتشغيل والفائدة والنقود؛ اللورد جون كينز، ترجمة إلهام عيداروس، مراجعة الدكتور عبد الله خطاب، هيئة أبو ظبي للثقافة، دار العين، الإمارات، 1431ه؛ 2010م.





اترك رد