الاستثمار وسيادة الدولة.. معادلة التنمية المستدامة
يثير الجدل الذي صاحب بعض الممارسات داخل عدد من المشروعات العقارية الكبرى تساؤلات تتجاوز حدود نزاع بين شركة وعملائها لتطرح قضية أكثر عمقًا تتعلق بطبيعة العلاقة بين الدولة والمستثمر وحدود الحقوق والالتزامات التي تحكم هذه العلاقة.
فالقضية في جوهرها لا تتعلق برسوم دخول شاطئ أو بتنظيم استخدام أحد المرافق وإنما تمس سؤالًا أكثر أهمية: كيف تستطيع الدولة أن تعزز جاذبية الاستثمار وفي الوقت ذاته تحافظ على سيادة القانون وحقوق المواطنين؟
ولا يختلف اثنان على أن الاستثمار الأجنبي المباشر يمثل أحد أهم محركات النمو الاقتصادي خاصة في الاقتصادات النامية التي تسعى إلى توسيع قاعدتها الإنتاجية ونقل التكنولوجيا وخلق فرص العمل وزيادة مواردها من النقد الأجنبي.
وقد أولت الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة اهتمامًا كبيرًا بتحسين مناخ الاستثمار وتبسيط الإجراءات وتطوير البيئة التشريعية انطلاقًا من قناعة راسخة بأن الاستثمار شريك رئيسي في تحقيق التنمية الاقتصادية.
غير أن التجارب الدولية تؤكد أن نجاح سياسات جذب الاستثمار لا يُقاس فقط بحجم التدفقات الرأسمالية الوافدة وإنما بقدرة الدولة على إدارة هذه التدفقات في إطار مؤسسي يحقق التوازن بين حقوق المستثمر ومتطلبات المصلحة العامة.
فالدول التي نجحت في أن تصبح مراكز إقليمية وعالمية للاستثمار لم تحقق ذلك عبر منح امتيازات استثنائية وإنما من خلال ترسيخ مبدأ سيادة القانون بحيث يخضع الجميع للقواعد ذاتها دون تمييز.
ومن منظور اقتصادي فإن الاستثمار لا يُعد هدفًا في حد ذاته وإنما وسيلة لزيادة الطاقة الإنتاجية ورفع معدلات النمو وتحسين مستوى التشغيل وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد.
ولذلك فإن جودة الاستثمار أصبحت اليوم أكثر أهمية من حجمه. فالاستثمار الذي يضيف خطوط إنتاج جديدة أو ينقل معرفة وتكنولوجيا أو يرفع القيمة المضافة المحلية يختلف في أثره الاقتصادي عن الاستثمار الذي يقتصر على تداول الأصول أو تعظيم العائد من الأنشطة العقارية دون ارتباط مباشر بالاقتصاد الحقيقي.
ومن هنا فإن سياسة “تصدير العقار” تمثل إحدى الأدوات التي يمكن أن تسهم في توفير موارد من النقد الأجنبي لكنها ينبغي أن تُدار ضمن رؤية اقتصادية متكاملة بحيث تكون مكملة للاستثمار الإنتاجي وليست بديلًا عنه. فالتنمية المستدامة تقوم على تنوع مصادر الاستثمار وليس على الاعتماد على قطاع واحد مهما بلغت أهميته.
وفي هذا السياق يبرز مفهوم “السيادة التنظيمية” باعتباره أحد أهم عناصر البيئة الاستثمارية الحديثة. فالدولة التي تضع قواعد واضحة وتحسن تطبيقها على الجميع ترسل رسالة إيجابية للمستثمر الجاد مفادها أن المنافسة تقوم على العدالة والشفافية لا على الامتيازات الخاصة.
ومن ثم فإن احترام التشريعات المنظمة للتعاملات المالية والالتزام بالقواعد الحاكمة لاستخدام المرافق العامة والامتثال للقوانين الضريبية ليست قيودًا على الاستثمار بل هي من مقومات استدامته.
كما أن الحفاظ على حقوق المواطنين لا يتعارض مع تشجيع الاستثمار بل يعزز الثقة في الاقتصاد ككل. فالمواطن الذي يشعر بأن القانون يحمي حقوقه كما يحمي حقوق المستثمر يصبح أكثر دعمًا لسياسات التنمية وأكثر تقبلًا لمشروعات الاستثمار وهو ما ينعكس في النهاية على استقرار بيئة الأعمال.
وتكشف التجارب الدولية في سنغافورة والإمارات وأيرلندا أن النجاح في جذب الاستثمار ارتبط بوجود مؤسسات قوية وإدارة ذات كفاءة عالية وليس بتراجع دور الدولة الرقابي أو التنظيمي.
فالمستثمر يبحث في المقام الأول عن وضوح القواعد واستقرارها لأن ذلك يقلل من المخاطر ويعزز القدرة على التخطيط طويل الأجل.
ومن زاوية أخرى فإن المرحلة الحالية تفرض إعادة النظر في معايير تقييم الاستثمارات الأجنبية. فلم يعد من الملائم الاكتفاء بقياس نجاح السياسات الاقتصادية بحجم التدفقات الاستثمارية فقط وإنما يجب تقييمها وفق مجموعة من المؤشرات، منها: عدد فرص العمل التي تولدها وحجم القيمة المضافة المحلية ونسبة المكون المحلي ومقدار ما تضيفه من صادرات ومدى مساهمتها في نقل التكنولوجيا وتنمية المهارات وتأثيرها على ميزان المدفوعات.
وفي اعتقادي فإن الاقتصاد المصري يحتاج خلال المرحلة المقبلة إلى التحول من سياسة جذب الاستثمار إلى سياسة إدارة الاستثمار.
والفارق بين المفهومين كبير فجذب الاستثمار يركز على زيادة التدفقات الرأسمالية بينما تهتم إدارة الاستثمار بتوجيه هذه التدفقات نحو القطاعات الأكثر إنتاجية وتعظيم أثرها التنموي ورفع كفاءتها الاقتصادية بما يحقق أهداف رؤية مصر 2030 ويعزز قدرة الاقتصاد على النمو المستدام.
وأخيراً وليس أخراً فإن المعادلة ليست بين الاستثمار والسيادة لأنهما ليسا طرفين متعارضين. فسيادة القانون هي الضمان الحقيقي لاستدامة الاستثمار والاستثمار المسؤول هو الذي يدرك أن نجاحه يرتبط بقدرته على العمل داخل إطار قانوني يحترم مؤسسات الدولة ويصون حقوق المجتمع.
وكلما نجحت الدولة في تحقيق هذا التوازن ازدادت قدرتها على جذب الاستثمارات النوعية التي تسهم في بناء اقتصاد أكثر قوة وتنافسية واستدامة.
بقلم: د. محمد سيد احمد





اترك رد