موقع اقتصادي
موقع اقتصادي

البنوك تحتفل بالفلاح وتفتح أبوابها للجميع.. ولكن أين المدخرات في ظل التضخم؟

لم يعد الشمول المالي في مصر مجرد حملات مصرفية لزيادة عدد الحسابات وإنما أصبح جزءًا من تحول اقتصادي يعيد صياغة علاقة المواطن بالجهاز المصرفي ولعل أبرز مظاهر هذا التحول خروج البنوك من فروعها إلى المواطنين وهو ما ظهر بوضوح خلال فعاليات الاحتفال بعيد الفلاح.

فخلال الفترة من الأول إلى الخامس عشر من سبتمبر أتاحت البنوك فتح الحسابات دون مصروفات إدارية ودون حد أدنى للرصيد وإصدار البطاقات وتفعيل المحافظ الإلكترونية وخدمات الإنترنت والموبايل البنكي إلى جانب التوعية المالية.

وأهمية هذه المبادرات لا تكمن في مجانية الخدمة فقط وإنما في إزالة الحاجز الأول أمام المواطن الذي لم يسبق له التعامل مع البنوك خصوصًا في الريف. فالبنك لم يعد ينتظر العميل داخل الفرع بل أصبح يذهب إليه في مكانه ويلتقي به من خلال احتياجاته اليومية.

ارتفع معدل الشمول المالي إلى 79%  بنهاية يونيو 2026 بما يعادل نحو 56.4 مليون مواطن من إجمالي 71.4 مليون مواطن في الفئة العمرية 15 عامًا فأكثر كما بلغ الشمول المالي للمرأة 72.5% وللشباب من 15 إلى 35 عامًا نحو 58% .

وتعكس هذه الأرقام نجاحًا واضحًا في سياسات التوسع المصرفي وتبسيط فتح الحسابات وانتشار البطاقات والمحافظ الإلكترونية والمبادرات الموجهة للمرأة والشباب وصغار المزارعين إلى جانب الخدمات الرقمية.

لكن علينا ألا نخلط بين امتلاك الحساب واستخدامه. فارتفاع الشمول المالي إلى 79% لا يعني أن النسبة نفسها أصبحت مدخرة أو مستخدمة لكل المنتجات المالية. والتحدي المقبل هو الانتقال من مجرد إدخال المواطن إلى النظام المالي إلى جعله مستخدمًا نشطًا ومدخرًا ومستثمرًا.

ساهم تنوع المنتجات المصرفية وعلى رأسها الشهادات مرتفعة العائد في جذب شرائح جديدة إلى الجهاز المصرفي، خصوصًا في فترات ارتفاع التضخم وأسعار الفائدة.

لكن الشهادات مرتفعة العائد لا يمكن أن تكون وحدها أساسًا لسياسة ادخارية مستدامة. المطلوب هو تقديم حسابات ادخار بمبالغ صغيرة ومنتجات مرنة للشباب والأطفال وخطط ادخار دورية ومنتجات مرتبطة بأهداف مثل التعليم والتقاعد.

فالهدف الحقيقي هو تحويل الادخار من قرار تحكمه أسعار الفائدة إلى سلوك مالي منتظم.

بلغ عدد حسابات محافظ الهاتف المحمول نحو 61.5 مليون حساب بنهاية ديسمبر 2025 ونفذت خلال النصف الثاني من العام نحو 1.7  مليار عملية بقيمة تقارب 2.2  تريليون جنيه، مع انتشار نحو 959 ألف رمز QR للتحصيل الإلكتروني.

هذه الأرقام تؤكد أن الهاتف المحمول أصبح أداة رئيسية للتحول من الاقتصاد النقدي إلى الاقتصاد الرقمي.

ومع التوسع في منظومة الهوية المالية الرقمية والبنوك الرقمية والخدمات المصرفية عبر الهاتف يمكن تجاوز كثير من القيود الجغرافية والإجرائية خاصة في الريف وفي هذه الحالة لن يكون الفرع المصرفي هو نقطة الاتصال الأساسية الوحيدة بل سيصبح الهاتف نفسه بوابة مصرفية متكاملة.

المفارقة الاقتصادية الأهم أن ارتفاع الشمول المالي جاء بالتزامن مع تراجع معدل الادخار المحلي إلى 1.2%  من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام المالي 2024/2025 مقابل 6.1% في العام السابق.

وهنا يجب التأكيد أن نسبة 1.2% ليست نسبة ما يدخره المواطن من دخله وإنما مؤشر كلي يعبر عن الادخار المحلي كنسبة من الناتج المحلي.

ولا يمكن تفسير هذا التراجع بضعف الثقافة الادخارية وحدها فارتفاع تكاليف المعيشة والتضخم وتآكل القوة الشرائية قلصت قدرة قطاعات واسعة من الأسر على تكوين فائض قابل للادخار.

ولهذا فإن رفع الادخار يبدأ من الاقتصاد الحقيقي قبل أن يبدأ من البنوك من خلال خفض التضخم وزيادة الإنتاجية وتحسين الدخول الحقيقية وخلق فرص عمل أكثر إنتاجية.

كما أن التوسع في التمويل الاستهلاكي والشراء بالتقسيط يستلزم قدرًا من التوازن حتى لا يتحول الاقتراض الاستهلاكي إلى بديل دائم عن الادخار.

أرى أن المرحلة المقبلة يجب أن تنتقل من مفهوم الشمول المالي إلى الشمول الادخاري.

وهذا يتطلب إتاحة منتجات ادخارية تبدأ بمبالغ صغيرة وتحويل جزء من دخل المواطن تلقائيًا إلى حساب ادخاري وتصميم أدوات مناسبة لأصحاب الدخول المحدودة والاستفادة من المحافظ الإلكترونية في الادخار المصغر.

كما يجب أن تتحول الثقافة المالية إلى جزء من التعليم بحيث يتعلم الشباب مبكرًا الفرق بين الدخل والاستهلاك والادخار والاستثمار والاقتراض.

والأهم أن نربط الادخار بهدف فالمواطن يكون أكثر استعدادًا للادخار عندما يعرف أنه يبني أمانًا ماليًا لأسرته أو يمول تعليم أبنائه أو يؤمن تقاعده أو يستعد لتأسيس مشروع.

نجحت مصر إلى حد كبير في إدخال المواطن إلى المنظومة المالية، لكن المرحلة المقبلة يجب أن تركز على ما يحدث بعد فتح الحساب.

فالنجاح لا ينبغي أن يقاس بعدد الحسابات والمحافظ فقط  وإنما بعدد الحسابات النشطة وحجم المدخرات الجديدة ونسبة المدخرات التي تتحول إلى استثمارات وتمويل للإنتاج.

وهنا تصبح المعادلة التي نحتاجها:

شمول مالي أعمق = استخدام أكبر + ادخار أكثر + استثمار أكثر + إنتاجية أعلى.

لقد أصبحت لدينا بنية مصرفية ورقمية أكثر قدرة على الوصول إلى المواطن لكن التحدي الحقيقي هو تحويل هذه البنية إلى ثقافة اقتصادية جديدة ثقافة ينتقل فيها المواطن من التعامل النقدي إلى التعامل المصرفي ومن التعامل المصرفي إلى الادخار ومن الادخار إلى الاستثمار والإنتاج.

وهنا فقط يتحول الشمول المالي من مجرد مؤشر مصرفي إلى قوة حقيقية للنمو الاقتصادي والتنمية المستدامة في مصر.

بقلم: د. محمد سيد احمد

اترك رد

Trending

اكتشاف المزيد من اقتصاديو العرب

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة