دور المهدئات الاقتصادية: قراءة نقدية في برامج صندوق النقد الدولي لموريتانيا
تُظهر التقارير الاقتصادية الأخيرة حول موريتانيا فجوة عميقة بين لغة “الاستقرار الماكرو-اقتصادي” التي يتبناها صندوق النقد الدولي، وبين الواقع البنيوي المأزوم الذي تشرحه تقارير البنك الدولي والدراسات القطاعية.
وبينما يحتفي الصندوق بـ “الأداء القوي” والامتثال للمعايير، نجد موريتانيا تطلب إلغاء برامجها الاقتصادية واستبدالها قبل اكتمالها، مما يطرح تساؤلا جوهريا: هل تهدف هذه البرامج لعلاج المرض أم لمجرد تسكين الآلام؟
حلقة مفرغة من الاستقرار الهش
في يناير 2023، اعتمدت موريتانيا برنامجاً مدته 42 شهراً بدعم من صندوق النقد الدولي، يركز على ركائز تقليدية: الانضباط المالي، تعيين مراس نقدية، وبناء احتياطيات النقد الأجنبي.
إلا أن الواقع فرض منطقه؛ ففي الشهر الماضى (يونيو 2026)، طلبت السلطات إلغاء هذا البرنامج واستبداله ببرنامج جديد. هذا “التدشين المتكرر” للبدايات يعكس عجز “المهدئات” المالية عن حماية الاقتصاد من الصدمات الخارجية، مثل نزاع الشرق الأوسط واضطرابات الحدود مع مالي، التي أدت لارتفاع فواتير استيراد الوقود وتفاقم أزمة اللاجئين.
إن الاعتماد على القروض Concessional والمنح لتغطية العجز المالي يظل حلا مؤقتا لا يلمس جذور الأزمة.
فخ الموارد: نمو بلا تنمية
ينتقد تقرير “ما بعد الصناعات الاستخراجية” الصادر عن البنك الدولي العام الماضي بوضوح النموذج الذي يباركه صندوق النقد؛ حيث يرى أن “مسار التنمية القائم على الاستخراج قد استنفد أغراضه”.
فبينما يركز الصندوق على موازنة الأرقام، تغفل برامجه حقيقة أن فوائد نمو الموارد تتجاوز غالبية السكان.
تشير المصادر إلى أن النمو في موريتانيا “مخيب للآمال” مقارنة بمثيلاتها من الدول، حيث بلغ متوسطه 3.5%، وهو أقل بكثير من المستهدفات الوطنية. هذا الفشل البنيوي يعود إلى:
- ضعف الطلب على العمالة: في القطاعات المنتجة، وخاصة بين الشباب والنساء.
- ركود الإنتاجية: وتوجيه الاستثمارات نحو أصول غير منتجة مثل العقارات بدل التنوع الاقتصادي.
- التقلبات الحادة: المرتبطة بأسعار المواد الأولية (الذهب، الحديد، الغاز)، مما يجعل الميزانية رهينة لمزاج الأسواق العالمية.
الاحتكار المصرفي: عائق أمام العلاج الجذري
يمثل القطاع المصرفي نموذجا صارخا لتركيز الثروة والعوائق الهيكلية التي لا تعالجها “مهدئات” الصندوق. وتُظهر الدراسات وجود “فجوة عميقة في الكفاءة والوصول (EADG)”؛ حيث تفوق ربحية البنوك بكثير مستوى الوساطة المالية والشمول.
في موريتانيا، تتحكم مؤسسات مهيمنة قليلة (4 بنوك) في تدفقات الائتمان، مما يجعل التمويل عرضة لـ “صدمات جزئية” مرتبطة بمصالح ضيقة. وبينما يكتفي الصندوق بالمطالبة بتعزيز “المعايير الاحترازية”، يظل النظام المصرفي عاجزا عن إعادة تدوير الأرباح في قروض إنتاجية تدعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، التي تُعد المحرك الحقيقي للتوظيف.
من “التسكين” إلى “التغيير الهيكلي”
إن الانتقال من نموذج الموارد إلى اقتصاد متنوع يتطلب أكثر من مجرد “إدارة ديون” أو “مرونة سعر الصرف” التي يروج لها الصندوق.
يتطلب الأمر “استثمارات ضخمة في البنية التحتية التأسيسية ورأس المال البشري” (التعليم المبكر والعلوم STEM) لسد فجوة الإنتاجية.
تحتاج موريتانيا إلى:
- قواعد مالية صارمة (مثل الرصيد الأولي غير الاستخراجي) لعزل الإنفاق العام عن تقلبات الموارد.
- تفكيك الاحتكارات وتفعيل سلطة المنافسة لتحفيز القطاع الخاص.
- توجيه الإيرادات الاستخراجية نحو “صناديق ثروة” أو استثمارات استراتيجية بدل استهلاكها في دعم غير موجه.
الخلاصة
تثبت تجربة إلغاء برنامج 2023 واستبداله في 2026 أن الاستقرار الذي يسعى إليه صندوق النقد الدولي هو استقرار “سطحي”.
إن موريتانيا لا تحتاج إلى المزيد من القروض لبناء احتياطيات نقدية تتبخر عند أول صدمة سعرية، بل تحتاج إلى علاج هيكلي يستهدف تنويع القاعدة الإنتاجية وكسر القيود الاحتكارية في السوق والقطاع المصرفي. وبدون هذا التحول، ستظل البلاد تدور في حلقة مفرغة من البرامج التي تنتهي قبل أن تبدأ، مخلفة وراءها ديونا متراكمة وطموحات تنموية مؤجلة.
بقلم: الهادي أبوه





اترك رد