ملامح للنظام العالمي القادم : هجر سياسة الإتفاقيات والأحلاف وعوده للثنائيات
لا يمكن فهم ما أقدم عليه الرئيس الأمريكي ʺترامبʺ من سياسة فرض الرسوم الجمركية على المستوردات الأمريكية بشكل يعتقد بعض المراقبين أنه فرض عشوائي ومضطرب، إلا إذا بدأنا من عام 2016 م، وهي بدايات حملة ترشيح رئيس حزب المحافظين البريطاني ʺديفيد كامرونʺ وحملة ترشيح الرئيس الأمريكي ʺترامبʺ.
حيث أتهمت القيادتان بأنهما تقودان تيارين شعبويين وطنيين، أدى التيار البريطاني إلى استفتاء كان نتيجته خروج بريطانيا من الأتحاد الأوروبي، والتيار الأمريكي الشعبوي أوصل ترامب إلى البيت الأبيض المرة الأولى.
علماً أن المراقبين السياسيين كانوا يتوقعون أن ترشيح ترامب كان نوع من المهزلة ((Silly joke)) وكان رقمه خمسة في المتسابقين المحسوبين على الجمهوريين.
لم يستطع لا ترامب ولا رؤساء وزراء المحافظين المتواليين لمدة زمنية بسيطة في بريطانيا بعد (كاميرون) أن يبدؤوا مشوارهم ʺالانجلوساكسونيʺ لقيادة العالم بهدم نظام الأمم المتحدة والنظام الأقتصادي المنبثقين عن مؤتمر ʺيالطاʺ 1945 ومن ثم مؤتمر (برايتون وودز) وما أعقبها من القرار التنفيذي الذي أصدره الرئيس الأمريكي ʺنيكسونʺ في 15/8/1971 والقاضي بوقف تعهد الولايات المتحدة باستبدال الدولار الورقي بما يعادله من قيمة ذهبية، والتي أتفق عليها في (برايتون وودز) الذي فرض على العالم أن يتعامل بالدولار لتقدير قيمة سعر برميل النفط في اسواق نيويورك ولندن وباريس.
كان من جراء هذا القرار أن اشتغلت مطابع المصرف الفدرالي الأمريكي بدون توقف لتزويد العالم بالدولارات الورقية مقابل إنفاق أمريكا على العالم ʺأمم متحدة – منظمات دولية – شركات تنمية – مصارف عقارية وبنوك دوليةʺ، مع إعادة إعمار العالم المتهدم وخاصة مشروع مارشال (إعادة إعمار أوروبا) بعد الحرب العالمية الثانية، وإعادة تأهيل اليابان.
هذا أدى إلى تراكم ديون على كامل الاقتصاد الأمريكي وعجز بالميزانيات وسندات الخزانة كما هو في اخر الإحصائيات ʺ 36 ترليون دولار ʺ تمثل عملة سائبة تدور العالم والمحيطات بدون غطاء من ذهب أو فضة أو اقتصاد قوي أو وطني، إضافة إلى عجز سنوي على الاقتصاد الأمريكي بقيمة 1.5 ترليون دولار مع الفوائد القانونية حسب الأتفاقيات الدولية المصرفية .
إن العالم الأن كما يقولون في عنق الزجاجة إذا استمرت هذه الأحوال، إما أن يختنق وإما أن يحترق، ماهو الحل ؟
لقد تفتفتت عنصرية الأمريكان ومستشاريهم البريطانيين من أن دراسة التاريخ الواعية والمستنيرة هي التي تمكنهم من إكتشاف الترياق للخروج من حالة التسمم العالمي والمجتمعي.
اكتشفوا ان سبب التسمم السرطاني هو ماطرحه المفكر والفيلسوف الاسكتلندي البريطاني صاحب المدرسة الرأسمالية الليبرالية (ادم سميث) في كتابه (ثروة الأمم) إصدار عام 1776 م عندما حدد أن أسباب الاقتصاد والانتاج والتجارة والصناعة والتسويق هو المنفعة وإن قيمة السلعة تقدر بما فيها من منفعة، بغض النظر عن المعنويات والانسانيات البشرية.
ولن نخوض في هذه الفلسفة لأنها ليست أساس بحثنا، إنما يكفي أن هذه المدرسة أسست لفكر حقير لا إنساني تجري على أساسه كل اقتصاديات الفرد والمجتمع والدولة، فكان هذا هو السرطان الخبيث الذي دمر قيم الدولة والدين والحياة والمجتمع والفرد، وهذا الذي جعل الثروة أداة للسيطرة على المجتمع والسياسة عندما تركزت في يد بشر قلوبهم من بلاستيك وشرايينهم من ʺفايبر جلاسʺ ودمهم النفط.
ولأن هذا الفكر طرح بعد حروب كنسية بين كل الطوائف الدينية في أوروبا ʺومذابح يندى لها الحذاء وليس الجبينʺ وتم فصل الدين عن الدولة، على أساس أنه الدواء الناجع الذي طرحه من سموا بالمتنوريين وتم من جراء هذا إقصاء الكنيسة والدين عن الحياة العامة كونه هو السبب في انحطاط الأمم السياسي والاقتصادي.
استمر هذا حتى عام 1789 مع الثورة الفرنسية التي جعلت الحريات السياسية هي اساس النهضة على زعم مفكريها وثوارها، وبإختصار كان من جراء ذلك أن قامت حروب نابليون التوسعية، وكل يدعي ʺوصل بليلىʺ كما يقولون، وازداد العالم انحطاطاﹰ وهمجية بسيطرة أسوأ فهم لفكر ʺآدم سميثʺ والذي كان من نتيجته حربين عالميتين الأولى والثانية، ووصل العالم إلى مؤتمر (يالطا) الذي اسس للعالم نظاما استبدت فيه الدول الكبرى صاحبة حق (الفيتو ) بقيادة العالم .
وبوصول رئيس وزراء بريطانيا السيد (كير ستارمر) ووصول ترامب إلى رئاسته الثانية، بدأت إجراءات سيناريو إنتهاء العالم القديم، وأعلن ترامب الأنسحاب من المنظمات الإنسانية والإغاثية والمحاكم الدولية، ومؤسسات حقوق الإنسان.
وأعلن سياسته بوضوح وهي تحصيل الأموال التي أنفقتها أمريكا على العالم، حيث كانت ضحية لقادة سياسيين مغفليين، كما صب جام غضبه على غباء الرئيس الديمقراطي ʺبايدنʺ شخصيا كما يزعم، وإن هؤلاء الرؤساء أهدروا حقوق وأموال المواطن الأمريكي دافع الضرائب.
أعلن ترامب ان لا شيء تقدمه أمريكا بدون مقابل you have to pay for benefit، حتى من أجل أي مساعدة أو دعم لا مجال لإنسانيات ومعنويات الفكر السابق الذي كان سائداﹰ في الولايات المتحدة مع رؤساء متخلفين ومفرطين، إنه يريد أن يعيد الولايات المتحدة عظيمة كما كانت في أيام الرؤساء المؤسسيين.
يختصر ترامب الموضوع بأن العالم كان يستغل سياسات الولايات المتحدة في إنفاقها على العالم، بينما الصين والأوروبين واليابانيين وغيرهم يكتنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها إلا لمصالحهم.
وإن حماية أمريكا للعالم كلفتها ميزانيات ضخمة عسكرية وقواعد في كل مكان توتر في العالم من أجل حفاظها على السلم العالمي كما يزعم، وكان هذا سبب هدر هذه الكلف والنفقات على كامل الميزانيات الأمريكية المتراكمة حتى بلغتʺ36 ترليون دولارʺ.
وعلى العالم أن يعيد هذه المبالغ والتي هي ديون ظالمة لدول وشركات عالمية، إلى الولايات المتحدة، لأن الولايات المتحدة بلاد ثرية بطبيعتها ولا يمكن أن تكون خاسرة في ميزان مدفوعاتها وميزانها التجاري لولا تحمل مسؤولياتها عن السلم الدولي والعالمي.
لقد خططت الحكومة ʺالخفية الماورائيةʺ جمهوريين وديمقراطيين مجتمعين التي اختارت ترامب ليمثل حكومة الظل المحتلة والمسيطرة على الإقتصاد المحلي والاقليمي والدولي بما في ذلك رجالات مؤتمر ʺدافوسʺ السنوي المنعقد في سويسرا وكلهم يدعمون ʺترامبʺ في هذا الأتجاه لتكون ديون أمريكا (صفر) على الأقل.
فبدأ بلعبة فرض الرسوم الجمركية، والتي من شأنها أن تهز الميزان الاقتصادي والسياسي للعالم وخلق فوضى بالأسواق العالمية تنهي حقبة منظمة التجارة الدولية، حيث لابد من فهم الحقيقة وهي ʺالعالم من دون الولايات المتحدة خرابʺ.
ولهذا ستعرّض الولايات المتحدة العالم إلى هزات اقتصادية لا يستطيع أمامها الصمود كما لا يستطيع أن يعيش بسياسة الأحلاف السابقة الاقتصادية والعسكرية.
وسوف يستمر في حالة لا توازن سياسي واقتصادي وعسكري حتى يعود إلى النظام الذهبي ما قبل 15/8/1971 عندما ألغى ʺنيكسونʺ النظام النقدي التبادلي الذهبي.
عندها يتوازن الاقتصاد مع السياسة بعد هذه المرحلة الجزافية وإلغاء النظام العالمي السابق القائم على أمم متحدة ومجلس أمن ومنظمات دولية، ويسير العالم بشكل طبيعي إلى معاهدات واتفاقيات ثنائية بين الدول وحسب مصالحها وهذا قريب أو مشابه للأحوال عندما كان الإسلام هو الفكر السياسي المسيطر وليس فكر ʺادم سميثʺ.
فلقد تحالف معاوية مع الأقباط لمصلحة مشتركة، وتحالف الرشيد مع الفرنسيين لمصلحة، كما تحالفت الدولة العثمانية مع الفرنسيين مرات عديدة عند خلافهم مع الأسبان، وتمتعت دولة الأندلس مع الأوروبين بعلاقات جيدة لقرون طويلة، حتى انتقل العالم إلى التحالفات الدينية التي هددت الحضارة الأسلامية في الاندلس.
إذن السير في سياسة هذه الاتفاقيات الثنائية ستعمر العالم وتنقذه بسبب استحالة الحروب النووية حيث أصبح السلام النووي نمر من ورق، أمام السلاح البيولوجي والكيماوي والجرثومي فإن قنبلة قذرة بيولوجية واحدة وزنها 5 كغ كافية لتبث الموت والمرض والهلاك والأوبئة في نيويورك، أو باريس، أو لندن، أو طوكيو.
إن مظاهر الحروب النووية هي مظاهر كاذبة، مع أنها ظاهرة صحية الآن تجعل استحالة الحروب إذا قورنت بسهولة ورخص و أضرار الحرب الكيماوية والبيولوجية وجميع الدول النووية الأن تملك هذه الأسلحة للاستعمال المدني وʺالبرستيجʺ العالمي فقط.
إن الخطة التي باشرت بريطانيا مع أمريكا السير بها منذ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ووصول ترامب يشعبويته البيضاء، لا يمكن ان تكون إلا بهدف شطب ديون الولايات المتحدة والعودة إلى النظام الذهبي أو مع سلات مالية مختلفة حيث ستعود سياسة المصالح بين الدول كبيرها وصغيرها، من خلال نظام عالمي اختياري تحكمه الأعراف والمصالح نظراً لاستحالة الحروب النووية واتجاه العالم إلى الحلول الرضائية لمشاكله الأقليمية والدولية.
بقلم د.منير محمد طاهر الشواف






اترك رد