الحروب العسكرية والعقوبات الاقتصادية، أيهما أوقع وأنكى؟
عندما قدم المستعمر إلى بلادنا وجد لدينا القليل من الزراعة، فقط ما يكفي المئونة، ووجد عندنا الشئ اليسير من التجارة، ولا صناعة لدينا سوى بعض الحرف والمهارات اليدوية البسيطة.
لم يكن المجتمع، في ذاك الزمن، يعرف شيئاً عما يسمى بالوظيفة وطبيعتها الروتينية والتي تتطلب الانتظام في سلك التعليم الذي يسلمك، من بعد، إلى سلك الوظيفة.
وبما أن مجتمعاتنا لم تعرف التعليم النظامي المرتبط بالتوقيت الزمني اليومي والتقويم السنوي من حيث السنوات؛ فقد كنا أحراراً، بكل ما يحمل هذا اللفظ من معاني الحرية المطلقة من قيود العبودية والاسترقاق الوظيفي.
فسعى المستعمر إلى أن يقيد حريتنا ويكبل حركتنا، فأتانا بأول حلقة من حلقات السلسلة الحديدية، التي لا فكاك من مخالبها ولا انعتاق من براثنها الحادة، ألا وهي التعليم النظامي الذي يدفع بالمتعلم إلى الترقي في درجات السلم الوظيفي.
وهي الحلقة الثانية من حلقات سلسلة العبودية والاسترقاق الذهني والإرهاق العقلي والبدني، حيث تمثل الوظيفة، لمن يحصل عليها، طوق النجاة في محيط متلاطم الأمواج دون أن يدري أنه يسعى بظلفه إلى حتفه، فالوظيفة تعمل على برمجة عقل الموظف ليحافظ على النظام الروتيني وكأنه ساعة إلكترونية تؤدي وظيفتها بشكل آلي تلقائي.
لقد سلبت الوظيفة من الموظف القدرة على التفكير، إلا في إطار وظيفته، وحنطت فيه النشاط العقلي فلم تعد لدى دماغه قدرة على القيام بالعمليات العقلية الادراكية من؛ انتباه، ادراك، تفكير، تركيز، تحليل، مقارنة، استنباط…..، وغيرها من الأنشطة الذهنية المتعلقة بالقدرة على تطوير الذات وبناء المجتمع.
اقرأ أيضاً: ريادة الأعمال: المفهوم، والأهمية، ولماذا يصبح الناس رواد أعمال؟
ولكن السؤال المطروح هو، أليست التعليم نعمة! ونعمة كبرى؟!!
نعم التعليم نعمة بل يمكن القول بأنه النعمة التي لا نعمة فوقها ولا بعدها نعمة، ويكفي القول بأن الإسلام قد دفع الناس إليه وحثهم وشجعهم عليه بكل المغريات؛ يقول تعالى:
(إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ) فاطر: 28.
(هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) الزمر: 9.
ويقول رسولنا الكريم، عليه أفضل صلاة وأتم تسليم،
(العلماء ورثة الأنبياء)
وكفى بمثل هذ القول من درر الكلام وكنوز المعرفة من المغريات مثلاً ونموذجاً يحتذى.
اقرأ أيضاً: اقتصاد المعرفة
نعم كل ذلك صواب بل وفوق ما يرجوه العقل من الصواب والادراك؛ ولكن بشرط أن يكون الغرض الرئيس والهدف الأساسي من التعلم هو العلم والمعرفة ولا شئ غير العلم والمعرفة.
أي يجب أن لا نقرن التعليم بالوظيفة والمرتب (المكافأة المادية)، وأن لا يكون الغرض من سنوات التعليم هو أن نضع الحواجز أمام نفثات العقل وأن نقيد الأيدي ونكبل الأرجل، فعندما شعر الإمام الغزالي بقيود الوظيفة حرر نفسه من مخالبها، وهو قائل القولة الشهيرة :
(طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله)
والعلم لا يُعطِيك شطره، أي الجزء اليسير من مكنون أسراره، حتى تُعطَيه جميع جهدك وتمنحه كل تفرغك، فهو لا يحب أن يكون له شريك في قلوب عشاقه وأفئدة محبيه، فإما أن يكون هو السيد المطاع أو لا شئ غير ذلك، فهو كما قال زعيم شعراء العربية، أبو الطيب المتنبي:
إذا غامرت في شرف مروم * فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمر صغير * كطعم الموت في أمر عظيم
إذاً فقد كبلنا المستعمر بقيود التعليم النظامي وأخضعنا لذل الوظيفة ومهانتها وفي المثل العامي السوداني (بيع واشتري ولا تنكري) أي (بِعْ واشترِ ولا تَنْكَرِ)، أي أعمل بالتجارة في الأسواق التجارية ولا تكن موظفاً تنتظر المرتب في آخر الشهر والمكافأة في آخر العمر.
عندما حضر المستعمر كنا في العتبة الثالثة من سلم التطور الإنساني وهي:
- جمع الثمار.
- الزراعة.
- التجارة.
ولم نبلغ بعد العتبة الرابعة وهي عتبة الصناعة التي كانت ستنقل مجتمعاتنا إلى العالم المتحضر، ففي الصناعة تتجمع كل عناصر التطور الاقتصادي، ففيها يتم تحويل الموارد الطبيعية والمنتجات الزراعية والحيوانية الخام إلى مواد استهلاكية يحتاج إليها الناس في جميع مجالات الحياة المعيشية؛ الأمر الذي سيسهم في تطور الشعوب والأمم.
ومن الأمثال العامية (الصنعة في اليد أمان من الفقر)، ويقولون (تعلم المهنة واتركها)، ولكن القدر عاجلنا بقدوم المستعمر الذي كان قد بلغ العتبة الرابعة من سلم التطور وهي الصناعة، وأصبح في أمس الحاجة للموارد الطبيعية والمواد الخام لكي يتمكن من دفع عجلة الصناعة وتأسيس النهضة الاقتصادية؛ فيمم وجهه تلقاء بلادنا باحثاً عن المواد الخام والأيدي العاملة الزهيدة التكلفة، فحقق نهضته الاقتصادية والعمرانية والحضارية الفكرية ..، على حساب الشعوب المستعمَرة.
والكل يعي ويدرك أن الاقتصاد يمثل عصب الحياة الإنسانية وأبرز مقومات الحياة الاجتماعية، والشئ الملاحظ في النشاط الاقتصادي العالمي أن ثلاثة من أكبر اقتصادات العالم، والتي قد لا تملك من المواد الخام شيئاً، ولكن حركة الاقتصاد العالمي جميعها في قبضتها فهي تتحكم فيه بيد من حديد وتديره بكثير، إن لم يكن بكل، حرية.
والدول الثلاثة هي: ألمانيا وبريطانيا، واليابان، والناظر للدولتين الأخيرتين لا يرى فيهما أكثر من جزر صخرية، ورغمًا عن ذلك، تسيطر على حركة الاقتصاد العالمي بقوة العقل الابداعي والفكر الابتكاري الخلاق ذلك الدماغ الذي انعتق من براثن الوظيفة فلم تعد تمثل له صداعاً يشتكي من آلامه المرهقة.
اقرأ أيضاً: استشراف المستقبل
ولكننا اليوم، في دول العالم الثالث، نعاني أمر المعاناة وأشدها من جراء ذلك الكم الضخم من الجيش المترهل الجسم والمسمى بالموظفين، فهم يمثلون الهم الأكبر والعبء الأثقل على كاهل الدولة وميزانيتها المتخمة بالعقول العتيدة والمهرقة للمواطن والمتعطلة والمعطلة لحركة دولاب العمل، فالكثير من الموظفين لا يمثلون سوى جيش عرمرم من المتسكعين والمتعطلين عن العمل الذين يستنزفون كل موارد الدول النامية بما يصرفونه من رواتب وعلاوات وحوافز وبدلات ومعاشات … وغيرها مما يرهق ميزانيات الدول ويثقل كاهلها.
يقول المثل العامي (جابوه فزع بقى وجع)؛ وأسوأ ما في السلوك الوظفي أنه يمنع الموظف من النمو الفكري والتطور العقلي، فهو أشبه بثور الساقية يدور، طوال الوقت، في حلقة مفرقة دون الشعور بالوقت إلى أن تحين سن التقاعد المعاشي، عندها يدرك، ولكن بعد فوات الأوان، أن سنوات العمر قد مضت دون ما إنجاز حقيقي.
اقرأ أيضاً: النظام الاقتصادي الاسلامي- نظرة عامة
من المعروف أن آدم سميث (1723-1790م)، أبو الاقتصاد ومؤسس علم الاقتصاد الرأس مالي من خلال مؤلفه، ثروة الأمم قد عمل، في بداية حياته، معلماً خاصاً، وقد اعتمد على صهر تلميذه على طبع كتابه، الذائع الصيت والشهرة”.
بحث في طبيعة ثروة الأمم وأسبابها” الذي ملأ الدنيا بفكرة الاقتصاد الحر القائم على حركة انسياب السلع وتدفقها والمعتمد على آلية السوق أي (نظرية العرض والطلب) التي تتحكم في ضبط حركة النشاط الاقتصادي والتجاري دونما تدخل من أحد؛ مما يدلل على أن سميث كان صاحب عقل متقدم جعله يخرج من سجن الوظيفة الضيق وينعتق من قيودها المكبلة لحرية العقل، فخلد اسمه بمداد من نور وأحرف من ذهب في سفر الخالدين.
اقرأ أيضاً: تطور التكنولوجيا والاقتصاد
وعلى العكس من سميث كان كارل ماركس (1818-1883م) مؤلف كتاب “رأس المال” والذي دعا فيه إلى كبح جماح النشاط الاقتصادي وتكبيل حرية الحركة التجارية في الأسواق، ومن أبرز أفكاره، اللاعقلانية، أنَّ الاشتراكية أمر حتمي، وأنَّ النظم الرأسمالية إلى زوال ومَحْكُوم عليها بالفشل، ولكن بعد مرور السنوات وتتابع العقود تأكد لعلماء الاقتصاد ولجميع الأمم والشعوب، فشل تلك المقولة وعقم أفكار صاحبها.
فقد تهاوت نظام الاقتصاد الاشتراكي بعد مضي أقل من ربع قرن من بدايتها مع الثورة البلشفية في السوفيتي (191م) وتفككه (1989م)، ومن ثم انفرط عقد الأنظمة الاقتصادية الاشتراكية لتنضم إلى ركب الاقتصاد الحر، وليت ماركس، ذلك المتسكع الذي عاش عاطلاً بلا عمل وكان يعيش، هو وأفراد أسرته السبعة، عالة على صديقه الألماني إنجلز، ليته يبعث اليوم من البلى ليرى، بأم عينه، مصير أفكاره البالية وكيف أنها وضعت في مزابل التاريخ.
اقرأ أيضاً: تاريخ موجز للاقتصاد المخطط
وخلاصة القول هي أن حرية العمل أفضل ألف مليون مرة من قيود الوظيفة، وإن لم يكن من بد من الوظيفة فاليكن ذلك إلى أمد قريب لا يطول، فإن طال فسيستمر الشخص عيش العبودية ورقها الذي لا سبيل إلى الخلاص منه إلا بالموت أو سن التقاعد المعاشي، تلك السن التي يتمنى أي موظف أن لا تأتي على الاطلاق، وربما اضطر إلى التزوير والغش، في شهادة ميلاده، ليطيل من سني بقائه في الرق الوظيفي الذي استمرأه وألف عبوديته؛ يقول المتنبئ:
خُلقت ألوفاً لو رحلت إلى الصبا * لفارقت شيبي موجع القلب باكيا






34 responses to “الحروب العسكرية والعقوبات الاقتصادية، أيهما أوقع وأنكى؟”
[…] أيضاً: النشاط الاقتصادي وآلية سوق العمل، بين حرية السوق وقيود…أما بالنسبة لمريضنا النفسي أو العقلي فالأمر مختلف تمام […]
[…] الاقتصـادية والاجتماعيـة والسـيكولوجية والثقافيـة وسـوق العمـل، وتتطلب طبيعة العصر وتحديات العولمة نوعيات جديدة من […]
[…] التي صدقت على الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال والمهاجرين وأفراد أسرهم التي اعتمدتها الجمعية العامة […]
[…] المقصود بها عندما لا يستطيع الشخص، الذي يبحث عن فرصة عمل من العثور على عمل مناسب له في مختلف المجالات ، ويمكن […]
[…] النمو الاقتصادي في توفير فرص العمل وتحقيق الاستقرار الاجتماعي، إذا كان هناك نمو اقتصادي […]
[…] كان هدفًا لمعظمنا الحصولُ على وظيفة ثابتة ودائمة نضمن ونؤمّن بها دخلًا شهريًا ولقمة عيشٍ […]
[…] يعكس ذلك التوترات والتحديات التي يمكن أن يواجهها الاقتصاد في الفترة المقبلة يمكن تحليل هذه الآراء السلبية من […]
[…] ان تقدمها هذه التكنولوجيا، إلا أن هناك تأثير كبير على سوق العمل […]
[…] انتشرت البنوك الإسلامية بشكل سريع في الدول العربية والإسلامية، وهذا الانتشار مؤشر قوي على نجاحها، وتعتبر البنوك الإسلامية تجربة رائدة في مجال التمويل الإسلامي، وبالرغم من العمر القصير لهذه التجربة الذي يقارب الاربع عقود فهي تحقق نمو وتوسع كبيرين، مما جعل العالم يعترف بأسلوب التمويل الإسلامي كبديل من البدائل المتاحة لتمويل النشاط الاقتصادي. […]
[…] أن علم الاقتصاد هو ذلك العلم الذي يدرس كيف يوظف الأفراد والمجتمعات مواردهم الاقتصادية النادرة ذات […]
[…] فقط الثروة والدخل، والتي تتدفق إلى بقيتنا في شكل وظائف وأجور– ولكن بدلاً من إلقاء نظرة على الأرقام ، دعنا نفترض فقط […]
[…] كان على الفتاة حظر التجول و كان ممنوع عليها التعلم و العمل بل كانت تتزوج فقط و تنجب اولادا و تهتم بالمنزل و تبقى […]
[…] للأفراد توفير الوقت والجهد الذي يتطلبه السفر إلى موقع العمل، مما يزيد من كفاءتهم في […]
[…] الاستقرار المالي: يساعد الدخل السلبي في توفير استقرار مالي، خاصةً في الأوقات الصعبة أو عند فقدان الوظيفة. […]
[…] المهارات قد تساعدك على التأقلم مع التغيرات في سوق العمل والتكيف مع احتياجات أصحاب […]
[…] النشاط التجاري: يجب تحديد طبيعة النشاط التجاري قبل […]
[…] تتطابق فكرة ابن خلدون حول العبئ الضريبي مع منحنى لافر، الذي يشير إلى أن هناك مستوى مثالي للضرائب يؤدي إلى تعظيم الإيرادات، وأن أي زيادة بعد هذا المستوى تُضعف النشاط الاقتصادي. […]
[…] سعر الفائدة: هو الأداة الأساسية حيث تؤثر أسعار الفائدة على قرارات الاستثمار والاستهلاك. عندما يقوم البنك المركزي بخفض سعر الفائدة، يتم تحفيز الشركات والأفراد على الاقتراض وزيادة الإنفاق، مما يعزز من النشاط الاقتصادي. […]
[…] الاقتصادية هي تكرار منتظم ومتعاقب لمراحل النشاط الاقتصادي، حيث تمر الاقتصادات بمراحل ازدهار وانكماش تؤثر على […]
[…] استثمر وقتك في تطوير مهارات جديدة تزيد من قيمتك في سوق العمل. […]
[…] إضافيًا للأفراد الذين ينفقون بدورهم، مما يزيد من النشاط الاقتصادي بشكل […]
[…] الأفراد على تعليم جيد، فإنهم يصبحون أكثر قدرة على دخول سوق العمل بمهارات عالية، مما يؤدي […]
[…] الاستقرار المالي: يساعد الدخل السلبي في توفير استقرار مالي، خاصةً في الأوقات الصعبة أو عند فقدان الوظيفة. […]
[…] العولمة ركيزة أساسية في توسع النشاط التجاري بين الدول، حيث أصبح العالم “قرية صغيرة”، تنتقل فيه […]
[…] من خلال البحث الجيد، الاستعداد المسبق، واستخدام استراتيجيات تفاوض فعالة، يمكنك زيادة فرصك في الحصول على راتب أفضل يعكس قيمتك الحقيقية في سوق العمل. […]
[…] مناسب للخريجين الجدد الذين يرغبون في تعزيز فرصهم في سوق العمل. […]
[…] أكثر حدة من الركود الاقتصادي، حيث يمتد الانخفاض في النشاط الاقتصادي لفترات طويلة وقد يستمر لعدة […]
[…] أما عند خفض السعر، فيشجع على الاقتراض، مما يحفز النشاط الاقتصادي. […]
[…] الاستقرار المالي: يساعد الدخل السلبي في توفير استقرار مالي، خاصةً في الأوقات الصعبة أو عند فقدان الوظيفة. […]
[…] النشاط التجاري: يجب تحديد طبيعة النشاط التجاري قبل […]
[…] تتطابق فكرة ابن خلدون حول العبئ الضريبي مع منحنى لافر، الذي يشير إلى أن هناك مستوى مثالي للضرائب يؤدي إلى تعظيم الإيرادات، وأن أي زيادة بعد هذا المستوى تُضعف النشاط الاقتصادي. […]
[…] العولمة ركيزة أساسية في توسع النشاط التجاري بين الدول، حيث أصبح العالم “قرية صغيرة”، تنتقل فيه […]
[…] الاقتصادية هي تكرار منتظم ومتعاقب لمراحل النشاط الاقتصادي، حيث تمر الاقتصادات بمراحل ازدهار وانكماش تؤثر على […]
[…] الاستقرار المالي: يساعد الدخل السلبي في توفير استقرار مالي، خاصةً في الأوقات الصعبة أو عند فقدان الوظيفة. […]