موقع اقتصادي
موقع اقتصادي

هل إسرائيل أمام مستقبل وجودي

فجرت تصريحات السيد “توم باراك” بتاريخ 22/8/2026 الممثل الشخصي للرئيس الأمريكي ترامب في “تركيا والعراق وسوريا” سؤالاً هل إسرائيل أمام مأزق استراتيجي وجودي، عندما قال “بأن الرب وأنبياؤه المرسلون لم يحلوا هذا الواقع المأزوم على مدار 1700 عام فهل سنة ونصف كافية للولايات المتحدة لأن تحل هذا النزاع التاريخي”.

لقد قامت قيامة المسؤولين الإسرائيليين الرسميين وغير الرسميين ولم تقعد بسبب هذا التصريح، لأنه يفيد بأن الحل الحالي مؤقت والذي قامت على أساسه ما يسمى بدولة إسرائيل وهو ليس حلاً نهائياً.

وسوف يستمر هذا الصراع طويلاً قبل أن تأخذ المنطقة شكلها الدولي، وهذا يخيف اليهود لأنهم فهموا هذا التصريح على ضوء تصريحات الرئيس الأمريكي “ترامب” في مؤتمر “إيفيان-ليه-بان” الفرنسية، قوله: “لولا الولايات المتحدة ولولا ترامب لما وجدت إسرائيل”

ورغماً أن التناقض واضح في هذا التصريح إلا أنه أخاف إسرائيل، لأن بريطانيا هي الدولة المؤسسة لكيان إسرائيل مروراً بوعد “بلفور” والقاضي بتأسيس وطن قومي لليهود وانتهاءً  بمخطط “سايكس بيكو” الوريث غير الشرعي لأنقاض دولة الخلافة العثمانية في إسطنبول.

والتناقض بهذا التصريح واضح لأن الولايات المتحدة لم يكن لها شأن في السياسة الدولية إلا من خلال الحرب العالمية الثانية، وانتهت هذه الحرب قبل ولادة السيد ” ترامب “ ونستطيع أن نعتبر جزء من هذا التصريح زلة من زلات لسان الرئيس الأمريكي المتكررة والتي اعتادت الصحافة العالمية على مسامحته رغم تناقضاتها، أسوة بالكونجرس الأمريكي لكن يبقى لهذا التصريح خطورة أكبرعند اليهود، لأنهم لا يرضون ان يكون وجود كيانهم مربوط بأي إرادة دولية حتى ولو كانت الولايات المتحدة، حيث يذكر نتنياهو في كتابه “مكان تحت الشمس” ما معناه عندما كان يشرب النخب العاشر مع أحد  مسؤولي وزارة الخارجية الأمريكية قال أن وجودكم كدولة أسس على قرار من الأمم المتحدة وممكن أن يزال وجودكم بقرار منها آخر”. 

ولقد علق “نتنياهو” هذا يعني أن إسرائيل قامت بناء على وضع دولي ساهم في وجودها، وإن الخطورة على كيان إسرائيل إذا تغير الوضع الدولي ليصب في اتجاه زوالها كما ورد في كتابه المذكور.

إضافة إلى ما تقدم وإثر المظاهرات التي هزت العالم من إجرام السياسة الإسرائيلية الظالمة على الفلسطينيين أثناء أحداث غزة الأخيرة وبعطف هذه الحالة على قول نائب الرئيس الأمريكي فانس” انتبهوا لم يبقى لكم في العالم من نصير إلا نحن”، بعد أن وصلت الاحتجاجات إلى كل العالم ومنها من وصل، إلى حد اعتبار هذه السياسة تصل إلى مستوى الإرهاب ضد الإنسانية، يتضح مدى تخلي النظام الدولي بقيادة الولايات المتحدة وكذلك الشعوب عن الكيان الإسرائيلي.

كل ذلك أعاد إلى ذاكرة  الحكام اليهود وخاصة “نتنياهو” مشاريع الولايات المتحدة للشرق الأوسط الواسع”، التي بدأها الرئيس الأمريكي “كارتر” عام 1978 وكان أول من طرح حق الفلسطينيين في دولة مستقلة homeland واعتبره حل لأزمة الشرق الأوسط بمجملها، وعندما اعترض اليهود الرسميون وغيرهم بعنف على هذا الطرح رد السيد “جورج دبليو. بول” أحد كبار المساعدين في وزارة الخارجية بمقال عنوانه “ كيف تسوق الولايات المتحدة إسرائيل إلى مصلحتها رغماً عنها بالسلاسل “ وقد نشرت جريدة القبس الكويتية ترجمة لهذا المقال.

إن هذا المقال الذي يوحي بأن الولايات المتحدة أدرى بمصالح إسرائيل من نفسها عندما طرح الرئيس “كارتر” الهوم لاند، وثارت ثائره المتدينون اليهود لأنهم فهموا أن الدولة الفلسطينية ستضم القدس وهي العاصمة الأبدية المزعومة لإسرائيل.

وأذكر أن صحيفة تشرين السورية قد نشرت لي موضوعاً بهذا الخصوص عنوانه ” هل تسوق الولايات المتحدة إسرائيل إلى جهنم “ وكان ذلك بتاريخ 14/8/2006 والموضوع  بالتفصيل منشور في كتابي “آراء في السياسة والتشريع” والخلاصة أن إسرائيل لا تثق بسياسة الولايات المتحدة الميكيافيلية الذرائعية، وإن حكومة فعلية خفية دائماً وأبداً ومنذ نشوء الولايات المتحدة عام 1776م هي التي تقرر مصير حكامها، لأن مصالح الولايات المتحدة تكون من خلال مصالحها.

والعكس صحيح أيضاً، وخير من شرح واقع السياسة الأمريكية ما نقل عن الرئيس اللبناني الأسبق “كميل شمعون”، عن أحدا المحامين بعد أن نحاه الأمريكان عن الحكم عام 1958 قال له يا “كميل بيك” لماذا أنت مستمر حتى الآن مع الأوروبيين وخاصة البريطانيين ولا تنضم إلى السياسة الأمريكية المسيطرة.

فقال شمعون ليس بيني وبين الأمريكان عداوة ، ولكن ليس لهم صاحب فهم ينطلقون بك في مصعد واحد للدور المائة كما وعدوك، ولكنهم فجأة يوقفون المصعد في الدور السبعين ويرموك إلى الأسفل لأن مخططهم تغير وحتى بدون أي اعتذار، بينما الإنجليز إذا رغبوا باستبدال حاكم من تابعيهم ” يكبكبونه كبكبة” بإيذاء لا يصل حد الاختفاء من الحياة الدنيا. 

وإن إسرائيل تخشى هذه العاقبة، عندما أدركت أن الولايات المتحدة شطبت مخطط (سايكس بيكو) من الوجود السياسي وهي تعمل لمخطط “الشرق الأوسط الواسع” السني حصراً حيث تخشى إسرائيل أن لا يكون لها وجود في هذا المخطط المقبل.

 24/8/2026

بقلم الدكتور منير الشواف 

اترك رد

Trending

اكتشاف المزيد من اقتصاديو العرب

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة