اقتصاديو العرب

مخاطر المال السياسي

بقلم، محمد عبد العظيم أحمد محمد

“المال هو حليب الأم للسياسة”، ولا يوجد جزء من العالم لا يهم فيه المال في عملية صنع القرار السياسي، وتعتبر إدارة التمويل السياسي ضرورية لإجراء انتخابات وحملات انتخابية حقيقية وذات مصداقية، وتضمن الإدارة السليمة للبلاد حكمها بشكل فعال، لأنها تنطوي على إمكانية انحراف المنافسة بين المتنافسين، كما أن الوصول إلى التمويل القانوني غير الفاسد يقلل من إغراء السياسيين والأحزاب السياسية وموظفي الخدمة المدنية للانخراط في سلوك فاسد، لكن وجود المال في السياسة يخلق هذا الخطر، لذا يجب علينا التفكير في كيفية التحكم في تأثيره من أجل رعاية جوانبه الإيجابية، مع التحكم في التأثيرات السلبية والتصدي لها، لا سيما وأنه لا يوجد نموذج رقابة واحد يناسب جميع البلدان.

تحاول المقالة مناقشة مخاطر المال السياسي من خلال توضيح لمفهوم المال السياسي، وشرح الاثار السلبية للمال السياسي، إذ يعرف المال السياسي بأنه توظيف المال لتمكين شخص ما، أو حزب ما من تبوء مكانة في العملية السياسية، كما يعرف المال السياسي باستخدام المال لأغراض وأهداف سياسية أو اسم لما يدفعه شخص أو جهة أو حزب نظير تقديم المدفوع إليه للدافع مصلحة سياسية خاصة به(طلال خليل، 2003: 188).

المال هو جانب ضروري من جوانب السياسة الحديثة، لكنه يخلق أيضًا تحديات للديمقراطيات في جميع أنحاء العالم، بشكل أو بآخر، يمكن أن تكتسب المصالح الثرية تأثيرًا لا داعي له على النظام السياسي، وعلي الرغم من أن مبدأ “شخص واحد، صوت واحد” هو مبدأ راسخ للانتخابات في جميع أنحاء العالم، فإن الاختلافات في الموارد يمكن أن تجعل بعض الأصوات مسموعة بصوت أعلى من غيرها، كما يمكن لأولئك الذين يملكون المال التأثير على السياسيين والقرارات السياسية بطرق تشكل إشكالية للديمقراطية ( Ohman, 2013: 3-5).

تسمح معظم البلدان للشركات الخاصة بتقديم تبرعات للأحزاب السياسية والحملات الانتخابية، قد تؤدي المساهمات في الحملات من الشركات إلى الفساد في المالية العامة، فهناك خوف من أن السياسيين قد يمنحون معاملة تفضيلية للشركات التي دعمتهم، قد يكون لهذا تأثير سلبي على المشتريات العامة ومبادرات التنمية، وقد يضر ليس فقط بالديمقراطية، ولكن أيضًا بفعالية الإدارة والحكم.

إساءة استخدام موارد الدولة في أجزاء كثيرة من العالم، إذ تنتهك الأحزاب السياسية في الحكومة وصولها إلى موارد الدولة لضمان بقائها في السلطة، تجدر الاشارة إلي أن موارد الدولة ليست مجرد أموال، بل يمكن أن يشمل ذلك أيضًا الموارد المؤسسية، مثل الموظفين ووسائل الإعلام المملوكة للقطاع العام وأدوات الاتصال الأخرى، كما يٌعد التحيز لوسائل الإعلام المملوكة للدولة مثالًا رئيسيًا على سوء المعاملة في العديد من البلدان، قد يسيء شاغلو الوظائف أيضًا استخدام ولايتهم التنظيمية لتمرير القوانين واللوائح التي تتحكم في السلوك، يشمل هذا الامتياز التنظيمي أي شيء من تغيير القانون الجنائي إلى الترتيب الذي يظهر فيه المرشحون على ورقة الاقتراع، في بعض الحالات، يجد شاغلو المناصب طريقة لمنع قادة المعارضة من خوض الانتخابات.

كما أن هناك تنامي للتمويل غير المشروع الذي يؤثر على السياسة، إذ يرغب المجرمون أحيانًا في الوصول إلى الحكومة للحصول على حصانة، وفي حالات أخرى، تقوم الحملات الانتخابية بغسل الأموال، وقد يستخدم المجرمون أيضًا التبرعات لممارسة تأثير على السياسيين لتجنب التحقيقات في أنشطتهم غير القانونية، كما أن تأثير التمويل الأجنبي يمكن أن يهدد سيادة السياسة الوطنية، إذا تم استخدام الأموال من الخارج في الحملات الانتخابية، فقد يستمع السياسيون إلى مصالح خارج بلدهم بدلاً من الناخبين، وإذا انتشر هذا الأمر، فقد تتعرض سيادة الدول للتهديد.

قد تؤدي المستويات المرتفعة من الإنفاق على الحملة إلى صعوبة ظهور قوى سياسية جديدة، لا سيما إذا لم تستطع القوى السياسية الجديدة إسماع أصواتها بسبب ارتفاع تكلفة الحملات الانتخابية، وعندئذ لن يكون النظام السياسي قادرًا على التكيف مع التغييرات في الرأي العام، وغالبًا ما تكون التكاليف المرتفعة للحملات الانتخابية واحدة من المشكلات التي تواجهها النساء الراغبات في دخول السياسة، حيث تقل فرص وصول النساء عادةً إلى شبكات أصحاب المصلحة الأثرياء.

كما تعد جهود شراء الأصوات من أجل الفوز في الانتخابات من خلال الإنفاق وليس من خلال الدعم الشعبي، أمرًا شائعًا في أجزاء كثيرة من العالم، وفي بعض الأحيان، يتخذ شراء الأصوات شكل معاملات مباشرة، حيث يتلقى الناخبون الأفراد المال بناءً على دليل على التصويت بطريقة معينة، بما في ذلك التقاط صورة لورقة الاقتراع بكاميرا الهاتف المحمول، في بعض الأحيان يكون شراء الأصوات غير مباشر ومجتمعي، بما في ذلك عندما يتم إعطاء القادة المجتمعيين أو الدينيين حافزًا للتأثير على أصوات أتباعهم، في كلتا الحالتين، يمكن أن يصبح شراء الأصوات عائقًا خطيرًا أمام الانتخابات الديمقراطية.

مما سبق يمكن القول أن مهمة ادارة المال السياسي مهمة شاقة، وتتطلب إلي كفاءات عالية المستوي كي لا يسمح للمال السياسي بتدمير النظام السياسي وفقدانه المصداقية بين الطبقات المتوسطة وللحفاظ علي الاقتصاد القومي من الفساد السياسي، بالاضافة لما سبق فإن حرمان المعارضة من الحق في تنظيم التجمعات أو تعريض السياسيين المعارضين أو النشطاء أو الداعمين الماليين للمضايقات هي طرق للإساءة المستخدمة في عدد كبير من البلدان، كما أن وضع موارد الدولة تحت تصرف الحزب الحالي يؤثر سلبًا على جودة الحكومة.


المراجع

باللغة العربية
• طلال خليل (2003)، “آثار المال السياسي على الديمقراطية ومساراته في دول الحراك العربي”، كلية القانون والعلوم السياسية، جامعة ديالى.
باللغة الانجليزية
• Ohman, M., (2013), “Controlling Money in Politics: An Introduction”, International Foundation for Electoral Systems

3 أفكار عن “مخاطر المال السياسي”

  1. mohamedabdelazeam

    مدرس الاقتصاد المساعد قسم الاقتصاد أكاديمة السادات للعلوم الادارية، عضو بجمعية الاقتصاد السياسي والاحصاء والتشريع، باحث اقتصادي ومسؤل الراصد الاعلامي بالمجموعة العربية للإعلام بعمارات جاردينيا(سابقا)، عضو نقابة التجاريين.

  2. Pingback: الحروب العسكرية والعقوبات الاقتصادية، أيهما أوقع وأنكى؟ - اقتصاديو العرب

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: