موقع اقتصادي
موقع اقتصادي

خطاب ترامب عن حالة الاتحاد

إن المستمع إلى كلمة الرئيس الأمريكي ترامب بمناسبة حالة الأتحاد بتاريخ 3\3\2025 بعد مرور 43 ثلاثة وأربعون يوما على حكمة العتيد، يستنتج بوضوح وبدون عبقرية سياسية مايلي :

لم تجري العادة اطلاقاﹰ أن رئيس أمريكي يحتفل بمرور أياماﹰ على حكمه المظفر، ويجمع كل المصفقون من كبار شخصيات الكونغرس والشأن العام وأصحاب النفوذ ليشتركوا في مهرجان شعاره التصفيق والقعود والجلوس بتوترات اهتزازية مبرمجة لم أشهدها وأنا تجاوزت الثمانين وعاصرت أكثر من ولاية عشرة رؤساء، إلا أيام الحكومات العسكرية الانقلابية الأمريكية التي عاشت فترات حكم طويلة كما هي في الحالة الناصرية والحالة الأسدية، اللذين اعتادو في الأجتماعات الرسمية أن يظهروا الحضور عبيدا لأسيادهم الذين صنعوهم.

لم يكن عند ترامب مايفتخر به في هذه المناسبة، إلا أنه اصدر 100 مائة قرار تنفيذي و 400 أربعمائة قرار إجرائي كانسحاب أمريكا من منظمات الإغاثة الدولية والمحاكم الدستورية الدولية، وطرد المهاجرين غير الشرعيين وما إلى ذلك من القرارات التي يدعي فيها توفير المال بينما في الحقيقة يفقد أمريكا النفوذ العالمي، إنها نظرة تجارية قاصرة، ذكرتني بأيام الجنرال حسني الزعيم وقراراته الثورية الأنقلابية المزاجية، وحكمه الذي استمر 137 يوما كان مليئاﹰ بالتناقضات التي وصف فيها عنتر بن شداد حصانه بقوله ( مكر مفر مقبل مدبر معاﹰ …) إذا كان هذا يليق بدكتاتور أمريكي مثل حسني الزعيم، فإنه لا يليق برئيس الولايات المتحدة مبتكرة علوم وحركات الأنقلابات العسكرية في المنطقة والعالم.

كيف لرئيس دولة مثل الولايات المتحدة أن يصدر كل هذه القرارات والإجراءات التنفيذية كأنه لا يوجد كونغرس بمجلسيه النواب والشيوخ، متجازواﹰ السلطات التشريعية، وضارباﹰ بعرض الحائط السلطات القضائية وغير مبالياﹰ في ممارسة حقها في نقض قراراته غير  الدستورية، عدا حالة أو حالتين نادرتين طعنت محاكم الأستئناف الفدرالية بقرارات الرئيس ترامب العشوائية وغير الدستورية، كل ذلك يذكرني بدكتاتورية حكام العالم الثالث  أيام  ʺعيدي أمين  وموبوتوʺ في الحكم والإدارة، وهذا يدل على الحالة التوافقية في الدولة العميقة التي صنعت ترامب سواء كانوا جمهوريين أم ديمقراطيين  وأعطوه الفرصة ليعيد أمريكا عظيمة كما يدعي، ويعيد أموالها التي أضاعها  بعض الرؤساء السابقون بسبب سياساتهم العبثية في أوروبا والعالم.

إن فشل الرئيس ترامب في تحقيق ماوعد به من مكاسب لتعود الولايات المتحدة عظيمة كما يجب وكما هو حالها ، لا يمكن أن يحصل في 43 يوما من حكمه حتى ولو كان (جراند دايزر) ولهذا لأبد أن هناك أموراﹰ أخرى قد دفعته إلى دعوة هذا الحضور وهي :

فشل ترامب في معالجة الأزمة الغزاوية وأصلها الفلسطيني، حيث وعد بأنه سينهيها فور تسلمه السلطة وإنه قادر على ذلك، وإن قيادته ليست كقيادة سلفه الرئيس بايدن الضعيفة والمهزوزة، وهذا الذي اقنع به (نتنياهو) بإجتماعه الأول في واشنطن واطمأن (نتنياهو) إلى هذه القيادة، لكن الواقع خالف ذلك، فقد استفتح الحل بعاصفة صاعقه، بإنه سيحتل غزة، لا بل سيشتريها ويهجر أهلها ويعيد بناءها لتصبح حدائقʺريفيراʺ جميلة ومركز سياحي اقتصادي، ثم عاد وتراجع وقال ليس احتلالها وتهجير اهلها قسريا بل الهجرة اختيارية لمن يشاء وإرادية ، ثم عاد وتراجع وقال إنه يرضى بما ترضى به اسرائيل، وهذا الموضوع حالة تفاوضية بين أهل غزة بل أهل فلسطين وإسرائيل.

كما  انذر بإطلاق سراح الرهائن بحلول الساعة الثانية عشرة من يوم الجمعة، وإلا سيحيل غزة إلى جحيم،  كل هذه المفرقعات جعلت ʺترامبʺ يحس بأنه غير قادر على إنهاء حالة الرهائن بتلك الرسائل الدعائية، فاضطر اخير للجوء إلى المفاوضات المباشرة في قطر مع حماس وبدون علم إسرائيل، كما ذكرت بعض الصحف الرصينه  وهذا يعني أن ترامب عاد إلى الصفر، وينطبق عليه المثل العربي (ياريتك يا ابو زيد ماغزيت).

فشل ترامب في معالجة موضوع الحرب الأوكرانيه الروسية، عندما غضت قيادة الرئيس بايدن  الطرف عن روسيا لما  بدأتها بحجة  منع ʺأوكرانيا ʺ من الدخول في الحلف الأطلسي، بل دعمتها بالمال والسلاح، وتطورت المطالب الروسية حتى اعتبرت أن شرق أوكرانيا أرض روسية، بل وصلت إلى أن كل أوكرانيا حديقة خلفية لروسيا ولن تسمح بأي تواجد عسكري أوروبي، والحقيقة أن أمريكا  ʺبايدن ʺ كانت وراء هذا التصعيد لأنها تريد إضعاف كل من الأتحاد الروسي والأتحاد الأوروبي، ولقد كلفها ذلك مبالغ ضخمة عسكرية ومالية زادت عن 350 مليار دولار كما يدعي الرئيس ترامب.

لقد وعد ترامب الأمريكان بأنه سيوقف هذه الحرب العبثية  في خلال الأسبوع الأول  من رئاسته وبهاتف منه إلى الرئيس ʺبوتين ʺ ولكن ترامب فشل في ذلك، وأظهر الرئيس الأوكراني ʺزيلنسكيʺ موقفا صلبا في إجتماعه مع الرئيس ترامب وبحضور نائبه المشاكس (فانس) وأمام الصحفين، حيث لم يوقع على اتفاقية استثمار أمريكا للمعادن النادرة في أوكرانيا، إلا بضمانات أمريكية وأوروبية وأممية ضد أي عدوان روسي، وهذا كان ضربة للحكم الثنائي الأمريكي (ترامب – فانس) وباؤوا بهزيمة منكرة أمام الصحافة العالمية عندما رفض زيلنسكي التوقيع ، ومنهم من قال خرج ومنهم من قال طرد من البيت الأبيض

إن الموقف الأوروبي أثر هذا الحدث يدل على أن اوروبا قد استعدت له بتحريض بريطاني، رغبة منها في العودة إلى مصاف أحد القوى العظمى الفاعلة في النظام العالمي الجديد والمتوقع الظهور قريبا، وهذه سياستها منذ انسبحت من الاتحاد الأوروبي عازمة على قيادة أوروبا بمقود خلفي رغبة منهم جميعا في إنزال أمريكا عن القيادة المنفردة للعالم متجاهلة حق الأوروبين في النفوذ العالمي.

فحرضت اوروبا  بل التقت مصالح الجميع فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال ومجموعة دول البلطيق والدول الاسكندنافيه  وكل دول الاتحاد الأوروبي باستثناء هنغاريا على ذلك،  بدلالة تصريحات أعلى قياداتهم بأن أوروبا الموحدة لن تخضع  للاذلال الأمريكي، وعلى الأوروبين أن يقفوا قوة موحدة أمام الحليف الأمريكي المخادع، والذي يهدد بأكذوبة رفع حمايته عن أوروبا، وبالخطر الروسي كما هي أيام الحرب الباردة،  علما أن الاقتصاد الروسي لا يستطيع أن يتحمل حربين في وقت واحد، وإن حرب أوكرانيا لوحدها أرغمته على عدم  التورط في حرب ثانية لصالح  حكم بشار الأسد المتآكل وحلفاءه  في سوريا، ولهذا فقد رفعت أوروبا عقيرتها وأخذت بحكمة شكسبير (To Be Or Not To Be).

نعم أمريكا تهدد بقيادة ترامب اوروبا بإعادتها إلى مصاف دول العالم الثاني من حيث النفوذ، بعد انهاكها واستنزاف اقتصادها في حرب ʺأوكرانياʺ ويكون من جراء ذلك أن تستولي على كامل النفوذ في إفريقيا القارة البكر بكل المعادن النفيسة والنادرة والنفط بعد طرد النفوذ الأوروبي، والتي ستفتح أفاق كبيرة للأقتصاد الأمريكي بالتعاون مع الصين بعد حل مشكلة تايوان، وإعادتها إلي أمها الصين كجائزة ترضيه بدون حروب حقيقية، لا يتحملها العالم ولا تريدها لا الصين ولا الولايات المتحدة.

كل هذا هو الذي جعل تصريحات رئيس الوزراء البريطانيʺ ستارمرʺ والرئيس الفرنسي ماكرون تصل حد الوقاحة من وجهة نظر أمريكية، إضافة إلى  تصاريح مسؤولي العلاقات الخارجية  للمفوضية الأوروبية، بأن أوروبا  تقف صفا واحدا وراء أوكرانيا. حتى وصل النزاع إلى استخدام الطاقة النووية كما قال الرئيس الفرنسي ماكرون.

والمخزي أكثر أن أوروبا قررت أن تضع حلا ʺأوربياﹰ ʺللأزمة الأوكرانية، ثم تعرضه على ملكة العالم الولايات المتحدة، وهل يوجد أكثر من هذا الذل ʺلترامب وفانسʺ وإدارتهما الصبيانية، بإختصار إن دعوة ترامب للأحتفال بمرور 43 يوما على تسلمه للسلطة، وظهور هذا الأحتفال بفولكلور تصفيق حاد ومبرمج، وحضور نائب الرئيس فانس ورئيس مجلس الشيوخ وقوفاﹰ وقعوداﹰ كألعاب أطفال في برنامج كومبيوتر، حتى أن النائب فانس كان أحياناﹰ يصفق ويأمر بالتصفيق قبل أن ينهي الرئيس عبارته، وكأنه يشير على أنه واضع أسس الخطاب وليس الرئيس، موقف مذل  لم تعهدة الولايات المتحدة العظيمة.

إنه منظر مخيب لأمال الناس والجماهير والقيادات، عندما ترى أن قيادات أمريكا العظيمة  ببغاوات في مدارس حضانة،  أو على الأكثر كمبارس في جوقة موسيقية، يا ليت ʺجورج واشنطنʺ يحضر هذه المهازل ʺالترامبية الفانسيةʺ، ليقول ليت نساء أمريكا عقمت عن الولادة، قبل الوصول إلى هذه الدرجة من الأنحطاط السياسي والفكري.                                               

  بقلم:   د.محامي منير الشواف

اترك رد

Trending

اكتشاف المزيد من اقتصاديو العرب

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading