اقتصاديو العرب

جائزة نوبل

هندسة الاقتصاد: من النظرية الى التطبيق، لهذا استحقوا جائزة نوبل في الاقتصاد

تعد جائزة نوبل في الاقتصاد أهم وأرفع الجوائز التي تمنح ويكرم فيها علماء الاقتصاد اللذين يكون لهم اسهامات بارزة في الجانب الاقتصادي وفي هذا العام تم منح الجائزة لاثنين مناصفة وهم الأمريكيان بول ميلغروم وروبرت ويلسون وذلك لتعديلاتهما على نظرية المزادات وابتكارهما صيغاً جديدة للمزادات، خصوصاً أشكال المزادات الخاصة بالسلع والخدمات التي يصعب بيعها بالطرق التقليدية.

اقرأ أيضاً: اقتصاد المعرفة
وُلِد بول ميلغروم (Paul Milgrom) في 20 أبريل من العام 1948 وهو اقتصادي أميركي يعمل كأستاذ للعلوم الإنسانية والعلوم في جامعة ستانفورد، وهو المنصب الذي يشغله منذ عام 1987 وهو خبير في نظرية اللعبة، وعلى وجه التحديد نظرية المزاد واستراتيجيات التسعير. أما روبرت ويلسون (Robert Wilson) فهو من مواليد 16 مايو من العام 1937، وهو خبير اقتصادي وأستاذ جامعي في جامعة ستانفورد، وهو عضوٌ في الأكاديمية الوطنية للعلوم كما أنه عضو في الأكاديمية الأميركية للفنون والعلوم.
المزادات آلية قديمة لبيع وشراء السلع عبر تقديمها للمُزايدة وأخذ عروض المُزايدين، ثم بيع السلعة إلى أعلى سعر وصلت له. تعتبر الطريقتان الإنجليزية والهولندية هما أشهر طريقتان للمزادات، ففي الطريقة الإنجليزية للمزاد وهي أكثر الطرق شيوعاً واستخداماً، يتم إجراء المزادات بشكل تصاعدي حيث يقوم المشاركون بالمزايدة بشكل علني ضد بعضهم البعض، على أن يُقدّم كل مُزايد سعرًا أعلى من السعر الذي سبقه حتى يبقى الفائز، بخلاف الطريقة الهولندية، اذ يبدأ بائع المزاد العلني بطلب سعر افتتاحي مرتفع ويتم تخفيضه، ويقوم المزايدون بعرض أسعار أقل حتى يصل لأقل سعر يقبل به البائع والمشتري.
في الوقت الذي كانت فيه المزادات ترتبط في أذهان الناس بشكل كبير في بيع التحف واللوحات والمُقتنيات النادرة باهظة الثمن؛ فإنها أيضاً مُستخدمة في العديد من السلع والخدمات مثل الطيف الراديوي والسيارات المستعملة وغيرها، ونظراً للتوسع في استخدامها أصبحت المزادات أكثر تعقيدًا وأخذ الاقتصاديون يبدون اهتمامًا أكبر بها.

اقرأ أيضاً: تطور التكنولوجيا والاقتصاد
في الستينيات من القرن الماضي، طور ويليام فيكري (William Vickrey) في مقال منشور بمجلة مغمورة (والذي لاحقاً حصل على جائزة نوبل عام 1996عن عمله الرائد في نظرية المزادات مناصفةً مع جيميس ميرليس) ما أصبح يعرف بأسم نظرية المزاد، إذ قام بتقييم الإستراتيجيات المُثلى لمقدمي العروض ودرس خصائص الإيرادات والكفاءة لأشكال المزادات المختلفة، لكنه ركز على مجموعة ضيقة نسبياً من الحالات، حيث لا يرتبط تقييم كل مقّدم عطاء للسلعة المباعة بتقييمات مقدمي العطاءات الآخرين. ولكن من الناحية العملية ، فإن ما يعتقده أحد الأشخاص أن قيمة سلعة ما في المزاد العلني تعتمد غالباً على تقييمات مقدمي العروض الآخرين أو البائع، وقد يكون لدى كل منها معلومات خاصة عن قيمتها، يتم الكشف عن أدلة عليها في سياق المزاد.
بدأ ويلسون في تحليل هذه الحالات في الستينيات، فقد تناول أولاً السيناريوهات التي يكون فيها الشيء المعروض للبيع قيمة مشتركة أو عامة، وهي القيمة التي لم تكن مؤكدة سابقاً ولكنها في نهاية المطاف هي ذاتها بالنسبة للجميع. قد يكون أحد الأمثلة على ذلك قطعة أرض يوجد نفط تحتها، حيث قد يكون للمشاركين تقديرات مختلفة لقيمتها، ربما لأن لكل منهم تقديرات مختلفة لكمية النفط وفي مثل هذه الحالات، يكتشف الفائز غالبًا أن المعلومات التي يمتلكها الآخرون حول القيمة المشتركة دفعتهم إلى تقديم عروض أسعار أقل وقد يعني هذا أن الفائز بالغ في تقدير قيمة العنصر (النفط في هذا المثال) ودفع قيمة مبالغ فيها، وهي ظاهرة تُعرف باسم لعنة الفائز.
وقد أرسى عمل السيد ويلسون في هذا السياق الأساس لتحليل السيناريوهات الأكثر تعقيدًا، والتي تأخذ في الاعتبار التقييمات الخاصة الفريدة لكل من مقدمي العروض والتقديرات للقيمة المشتركة لأي بند. فقيمة حقل النفط على سبيل المثال، قد تعتمد على كمية النفط الموجودة في الأرض وعلى الكيفية التي يستطيع بها كل مزايد أن يستخرجها بتكاليف زهيدة. لقد استمد السيد ميلغروم (الذي أشرف السيد ويلسون على أطروحته في برنامج الدكتوراه) عدداً من الدروس المهمة من تحليلاته، تعمل هياكل المزادات التي تستخلص المزيد من المعلومات الخاصة من مقدمي العطاءات – مثل المزادات بالطريقة الإنجليزية ، حيث يلاحظ كل مشارك من يقدم العطاء ومن ينسحب – على تقليل مشكلة لعنة الفائز مقارنةً بالصيغ التي يتم فيها الكشف عن قدر ضئيل للغاية من المعلومات الخاصة. وفي بعض الحالات، قد يكون من مصلحة البائع تزويد مقدمي العطاءات بمزيد من المعلومات حول الشيء المعروض للبيع.
قبل أوائل التسعينيات من القرن الماضي، استخدمت الحكومة الأمريكية أساليب غير عملية لتخصيص أجزاء من الطيف الإذاعي (الراديوي) لشركات الاتصالات المهتمة بها، وذلك من خلال أن يفسّر مقدمو العطاءات (المزايدون) سبب استحقاقهم شريحة من الطيف أكثر من غيرهم (وبتلك الطريقة كانوا ينفقوا مبالغ طائلة من المال لكسب التأييد من قبل جماعات الضغط) أو يتم تخصيص شرائح لهم من خلال اليانصيب، ولم يؤد أي من تلك الطرق إلى تخصيص كفؤ. في عام 1993 سمح الكونجرس للجنة الاتصالات الفيدرالية باستخدام المزادات بدلاً من ذلك، ومع ذلك، لم يكن من الواضح كيف قد تنجح هذه الجهود فقد كان لمقدمي العطاءات تقييمات متباينة إلى حد كبير لكيفية استخدام شرائح الطيف، وكثيراً ما تعتمد قيمة شريحة واحدة من الطيف بشكل حاسم على الشرائح الأخرى التي يتحكم فيها مالك الطيف. عمل الحائزون على جائزة نوبل مع خبير اقتصادي آخر ، بريستون مكافي (Preston McAfee)، وهو يعمل حاليًا لدى شركة جوجل، على ابتكار صيغة جديدة تعرف باسم “المزاد المتزامن المتعدد الجوانب” (Simultaneous Multiple Round Auction-SMRA). ويجوز من خلاله للمشاركين أن يزايدون على جميع البنود في عدد من الجولات، وبعد كل منها يتم الكشف عن بعض المعلومات المتعلقة بالعطاءات والأسعار لمقدمي العروض. وعندما استخدمت لأول مرة في عام 1994 جمعت 617 مليون دولار للحكومة الأمريكية لم تكن قد كسبت منها في السابق اي شيء تقريبًا من توزيعات حقوق الطيف.
والآن تُستخدم المزادات على غرار “المزاد المتزامن المتعدد الجوانب” (SMRA) بشكل روتيني في العديد من البلدان وفي سياقات أخرى غير مبيعات الطيف – مثل بيع الكهرباء. ولقد أصبح السيدان ميلغروم وويلسون تجسيدًا للخبير الاقتصادي باعتباره مهندساً من خلال استخدام النظرية لابتكار حل لمشكلة عملية. وعلى ما يبدو أن هذا النهج ينال اعجاب الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم حيث أن جائزة هذا العام هي الثالثة منذ عام 2007 والتي جاءت لتكريم “عملية تصميم الآلية”، أو استخدام المبادئ الاقتصادية لتصميم الأسواق لحل مشاكل العالم الحقيقي.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: