اقتصاديو العرب

اقتصاد, اسلامي

عندما أنصف الغرب الإقتصاد الإسلامي فأشبعهُ غَـزلاً

 إن الإسلام دين ودولة، ومبادئه تُشبع احتياجات الإنسانية وتشمل أركان النظم الاقتصادية والمجتمعية والقانونية سواء بسواء، فرغم الأضواء الضئيلة والمجالات المحدودة لإبراز بعض جوانب الاقتصاد الاسلامي، فإننا أصبحنا نسمع أخيرا أصواتا أجنبية عالمية تدعو إلى الأخذ بالاقتصاد الإسلامي، فما أن بانت لهم خصائصه المتفردة انصفوه قولاً واشبعوه غزلاً وذلك من وجهة نظر منطقية واقتصادية بحته لديهم وليس وجهة نظر شرعية او عقائدية .. فقد بحثوا في خصائصه ونظروا الى إمكانية تطبيق مبادئه كنظام اقتصادي تُدار به مؤسسات الدولة فوجدوا انه نظام متوائم تماماً مع المسؤولية الاجتماعية والمصالح الفردية والعامة معاً.

ورغم ان الاقتصاد الإسلامي احتاج إلى الكثير من السنوات كي يدرك الناس صواب نظرته نحو العديد من القضايا المالية العالمية، إلا أن فترة الأزمة المالية العالمية الأخيرة قد شكلت فرصة مميزة للتأكد من تلك المعطيات، إلا أن المسار لم يكن سهلا في البداية.

ونظراً لافتقاد المسلمين لفترة طويلة إلى اللغة الاقتصادية التي يمكنهم من خلالها شرح وجهة نظرهم لعلماء الاقتصاد ووجود أبعاد شرعية عميقة في تحليل المعاملات المالية من جهة أخرى فقد شكل ذلك حاجزاً معرفياً استمر لعقود بين محللي الاقتصاد العالميين ونظرائهم الإسلاميين، إلا أن انتشار التعليم وتطوير لغة مشتركة تسمح بالفهم المتبادل للمعطيات أتاح المجال لمعاجلة ذلك، إلى جانب التطورات السياسية التي دفعت بعض الدول لتطبيق أصول الاقتصاد الإسلامي وإعادته إلى الحلبة الدولية واقر اقتصاديو الغرب بصلاحية واهمية مبادئ النظام الإسلامي كنظام اقتصادي مؤسسي.

اقتصاد الاستثمار لا الديون

الاقتصادي الشهير (ميراخور) ذكر  أنه  قد بدأت تظهر خصائص الاقتصاد الإسلامي المتفردة في  أن العائد على المال في الاقتصاد الإسلامي ينتج عن العوائد الفعلية المتحققة في القطاعات التي جرى فيها استثمار المال، وبالتالي فإن الاستثمار ليس مرتبطا بالفائدة بل بالعائد المتوقع للاستثمار، وهذا العائد هو ما يدفع الناس لاختيار الاستثمار أو الادخار، ولا ضرورة بالتالي لربط كل هذه العوامل بالفائدة الثابتة.

كما سبق للاقتصادي المعروف بجامعة شيكاغو(لويد ميتزلر)، أن قدم في العقدين الخامس والسادس من القرن الماضي مقترحا لإقامة نظام اقتصادي للتعاقد بديل عن النظام الحالي يقوم على أساس “القيمة” وليس “الدين”، مؤكدا أن هذا سيسمح بقيام نظام يتجاوز أزمات النظام المصرفي الحالي،

وفي عام 1985 قدم الباحث الاقتصادي محسن خان دراسة باتت ضمن أبرز الدراسات التاريخية التي نشرها صندوق النقد الدولي، عرض فيها للتشابه الكبير بين ما طرحه ميتزلر وبين الأصول المالية الإسلامية

جدير بالذكر أن نشاط البنوك الإسلامية شهد في الفترة الاخيرة نمواً كبيراً، حيث ازداد عمل هذه المصارف واتسع على مستوى العالم ، وبحسب بعض التقارير المصرفية قد حققت نجاحا ملموسا في مجال عملها، من خلال تقديم العمل المصرفي الإسلامي بصيغ بعيدة عن قاعدة الديون التي تمارسها المصارف التقليدية، وبذلك، استطاعت مواجهة وتجاوز الأزمة المالية العالمية كما يقول بعض الخبراء، الذين اكدوا على ان السنوات المقبلة ستكون سنوات مهمة في انجاح عمل هذه المصارف، التي تعتمد وبشكل اساسي على تمويل القطاعات الحقيقية، وهو ما سيسهم وبشكل فعال في تحقيق نمو اقتصادي متكامل، هذا بالإضافة الى ان الصيرفة الإسلامية في العديد من الدول العربية، قد نجحت في تلبية جانب من احتياجات العملاء داخل السوق المصرفية.

الاقتصاد الإسلامي والاستثمار البيئي

على صعيد متصل يدخل التمويل الإسلامي مجال المنتجات المالية المرتكزة على الطاقة المتجددة والزراعة المستدامة مع سعي مديري الأصول لإيجاد فرص تجمع بين الاستثمار الأخلاقي والشرعي.

وفي وقت ليس ببعيد أعلنت بعض البلدان توجيهات إرشادية لإصدار صكوك المسؤولية الاجتماعية وذلك بهدف مساعدة الشركات على جمع التمويل لمشاريع مثل الطاقة المتجددة والإسكان الاقتصادي. كما وقع المجلس الأعلى للطاقة في دبي والبنك الدولي اتفاقا لتطوير التمويل لبرنامج الاستثمار البيئي للإمارة وتتضمن ذلك سندات إسلامية “خضراء”. وتطمح دبي إلى توفير خمسة بالمئة من حاجاتها من الطاقة من المصادر المستدامة وإعادة تجهيز المباني للحد من استهلاك الطاقة.

وفي غضون ذلك تطرح شركات في بريطانيا وكندا وهونج كونج استثمارات متوافقة مع أحكام الشريعة في مشاريع الزراعة المستدامة وهو ما قد يستقطب أموالاً من مستثمري الأدوات الإسلامية في الخليج وجنوب شرق آسيا ومن المستثمرين المحليين.

 ومنطق ذلك: هو أنه يمكن عن طريق منتجات الاستثمار البيئي توسيع نطاق الطلب إذا أصبحت متوافقة مع الشريعة كي تكون جذابة للمسلمين. وفي نفس الوقت فإن غير المسلمين الذين قد يحجمون عن الاستثمارات الإسلامية – لبواعث قلق بشأن السعر والصعوبة ونقص الإلمام – قد يقبلون عليها إذا كانت في خدمة البيئة.

الاقتصاد الاسلامي في مواجهة النمو الاقتصادي

ورغم الأضواء الضئيلة والمجالات المحدودة لإبراز بعض جوانب المميزة للاقتصاد الاسلامي، فإننا أصبحنا نسمع أخيرا أصواتا أجنبية عالمية تدعو إلى الأخذ بالاقتصاد الإسلامي لإحداث نمو اقتصادي مؤسسي.

وقد انبهر بعض الاقتصاديين بالاقتصاد الاسلامي  في مواءمته وتوفيقه بين المصالح الخاصة والمصالح العامة، وانتهى الى أن طرق الانماء الاقتصادي ليست محصورة بين الاقتصادين المعروفين الرأسمالي والاشتراكي، بل هناك اقتصاد ثالث راجح هو الاقتصاد الاسلامي الذي يرى هذا المستشرق انه سيسود المستقبل، لأنه على حد تعبيره أسلوب كامل للحياة، يحقق كافة المزايا ويتجنب كافة المساوئ.

وفي كتابه وعود الاسلام يقول المستشرق الفرنسي روجين جارودي :إن الاقتصاد الاسلامي الصادر عن مبادئ الاسلام هو نقيض النموذج الغربي الذي يكون فيه الانتاج والاستهلاك معا غاية بذاتها، أي انتاج متزايد أكثر فأكثر واستهلاك متزايد أسرع فأسرع لأي شيء مفيدا أو غير مفيد دون نظر للمقاصد الإنسانية.  ويضيف قائلا: الاقتصاد الاسلامي يهدف الى التوازن وميزته الأساسية انه لا يخضع للآليات العمياء، وإنما هو متسق ومحكوم بغايات انسانية ومقاصد إلهية مترابطة لا انفصام فيها.


ويؤكد المفكر الفرنسي ماسينيون على أن الاسلام يمتاز بأنه يمثل فكرة مساواة صحيحة بفرض الزكاة التي يلزم بها الأغنياء تجاه الفقراء، الى جانب تمسكه الشديد بحقوق الأولاد والزوجة والملكية الفردية، فهو بذلك يتوسط بين النظم الاقتصادية التقليدية.  

وفي كتابه ثلاثون عاما في الاسلام يقول ليون روشي: إن دين الاسلام الذي يعيبه الكثيرون هو أفضل دين عرفته، فهو دين طبيعي اقتصادي، أدبي، ولقد وجدت فيه حل المسألتين الاجتماعية والاقتصادية اللتين تشغلان بال العالم في موضعين أولها: قول القرآن” إنما المؤمنون إخوة ” فهذه أجمل المبادئ للتعاون الاجتماعي.
وثانيها فرض الزكاة في مال كل ذي مال، بحيث يحق للدولة ان تستوفيها جبراً اذا امتنع الأغنياء عن دفعها طوعاً.
وهذا المؤرخ الانجليزي ويلز، وفي كتابه: ملامح تاريخ الانسانية يقول: إن أوروبا مدينة للإسلام بالجانب الأكبر من قوانينها الادارية ونظمها الاقتصادية  التي قادتها الى النمو والتقدم الحالي.

وبعد هذا كله أقول: نجد بعض الاقتصاديين الغربيين يشيدون بالاقتصاد الاسلامي، ويلتمسون نظاماً اقتصادياً ثالثا رائداً، يضمن للانسانية هناءتها في ظل مبادئه وأفكاره، فوجدوا في النظام الاقتصادي الإسلامي القدرة على حل المشكلات الاقتصادية التي هي موضوع تصارع في العالم الآن، لما يتمتع به من خصائص غير متحققة في غيره. وقد جاء هذا من وجهة نظرهم الاقتصادية البحتة بغض النظر عن ان هذا النظام نابع من عقيدة إسلامية او غيرها بل بنظرة شمولية مجردة موضوعية في مدى صلاحية الفكرة ذاتها للتطبيق. 

والسؤال هنا … لماذا تعثرت خطط التنمية التي طبقتها  بعض البلدان رغم تبنيها نظام الاقتصاد الاسلامي ؟

ان الإجابة واضحة وضوح الشمس في ظهيرتها أن ذلك يرجع وبلا شك الى تبنيها اقتصاديات مزيجة تنظر في الغالب لعنصر الربح دون الحاجة الأخلاقية والمسؤلية المجتمعية المشتركة للمواطنين ودونما النظر الى اقتصاد الاستثمار الحقيقي القائم على القيم وليست الديون.

%d مدونون معجبون بهذه: