اقتصاديو العرب

البيانات الضخمة وواقعها في البلاد العربية

البيانات الضخمة وواقعها في البلاد العربية

يشهد العالم مؤخرا إدراكاً متزايدا بأهمية البيانات الضخمة ودورها في تعزيز التنمية المستدامة لأنها النفط الجديد الذي يحدث ثورات وتغييرات داخل المجتمع، خاصة إذا ما استخدمت بعناية ودقة، إذ إنها تعطي نطاق غير مسبوق لفهم المجتمع وتحسين طريقة المعيشة، ومزاولة الأعمال.

كما شهد العالم في السنوات الماضية انفجاراً في كمية البيانات الرقمية المتاحة عبر الأقمار الصناعية والأجهزة المتصلة بالانترنت ومختلف قنوات التواصل الاجتماعي، ونظراً لثورة الرقمنة التي نشطت بفعل الأجهزة ذات الكفاءة العالية والسعر المنخفض، ارتفع حجم البيانات المتاحة عبر العالم، وأشار إليه المتخصصون بطوفان بيانات سمي بالبيانات الضخمة.

كذلك فانه وفي ظل التغيرات المتسارعة التي تجتاح العالم، والانفتاح العالمي، أصبح الكم الهائل من البيانات التي يجرى إنتاجها وتخزينها، والعمل على إتاحتها من مواقع متعددة مصدر قوة رئيسي لأي مجتمع، إذ من شأنها في حال إدارتها على نحو سليم أن تسهم إسهاماً مؤثراً في التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

مفهوم البيانات الضخمة

إن البيانات الضخمة مصطلح يدل على أن متطلبات الحجم والأداء لإدارة البيانات أكبر من التقنيات العادية الموجودة على الأجهزة التكنولوجية المختصة، إذ يشمل لفظ البيانات الضخمة كل جزء من البيانات التي قد نفكر فيها بهدف تحليلها والإستفادة منها.

أي أنها كمية هائلة من البيانات المعقدة التي تحقق مستويات عالية في التوزيع، ومصادر بيانية تتسم بضخامة كميتها، وسرعتها الفائقة وشدة تنوعها، والتي يفوق حجمها قدرة البرمجيات والآليات الحاسوبية التقليدية على خزنها، ومعالجتها، وتوزيعها، وكثيرا ما تتاح في وقتها، وتتطلب أشكالا من حيث التكلفة إذا فهمت بشكل أعمق، واستخدمت على نحو أفضل في عملية اتخاذ القرارات.

وتتشكل هذه البيانات الضخمة على أضلع خمسة هي الحجم، والسرعة، والتنوع، والموثوقية، والقيمة بالمقابل. ويمكن تقسيمها الى ثلاثة انواع وهي:

  1. بيانات مهيكلة: وهي البيانات المنظمة في صورة جداول، أو قواعد بيانات تمهيداً لمعالجتها.
  2. بيانات غير مهيكلة: وتشكل النسبة الأكبر من البيانات، وهي تلك التي يولدها الأشخاص يومياً من كتابات نصية، وصور فيديو، ورسائل، ونقرات على مواقع الانترنت.
  3. بيانات شبه مهيكلة: وتعتبر نوعا من البيانات المهيكلة، إلا أن البيانات لا تصمم في جداول أو قواعد بيانات.

ليس هناك مركز محدد للبيانات الضخمة إذ أن العالم أجمع بدء يستشعر بالفعل تضخمها الهائل حيث لا تستطيع الانترنت الحالية إستيعابها إلا بإسخدام جيل آخر ذا كم هائل من الانترنت ألا وهو الجيل الخامس، وفي خضم ملامسة البيانات الضخمة لكل بقاع العالم صار لزاماً علينا أن نخص بالذكر الواقع العربي و ما مدى علاقته بهذا  الموضوع.

واقع البيانات الضخمة في العالم العربي

إن إدراك الدول المتقدمة بأهمية البيانات الضخمة أدى بها إلى أن تنجح في تسريع وتيرة التقدم. لكن المجتمعات النامية عموما، والعربية خصوصا لاتزال في مجملها غير متبنية للبيانات الضخمة رغم أهميتها ومدى قدرتها على إحداث التغيير الايجابي داخل المجتمعات لافتقارها للبنات الأساسية للبيانات المحلية.

إن البيانات الضخمة في العالم العربي تتزايد وبشدّة في الآونة الأخيرة خصوصاً مع إرتباط كل شيء بالانترنت و بغض النظر عن البيانات المستخدمة قديماً في مجالات البحث على الانترنت ووسائل التواصل الإجتماعي فإن البيانات الضخمة في البلاد العربية أصبحت تشمل مجالات أخرى مسيطرة على أنشطة الفرد سواءً في منزله أو خارجه.

في دراسة أعدت من قبل صندوق النقد العربي اشارت الى ان 44% من الجهات المعنية العربية عملت على اعداد خطة استراتيجية لاستخدام البيانات الكبيرة، و 59% من هذه المؤسسات لا تستخدم مصادر البيانات الكبيره، وأن أغلب هذه المؤسسات غير متمكنة من عمليات تحليل هذه البيانات كي تستطيع الحصول على المخرجات المتوقعة من استخدامها بشكل منتظم.

أما مجالات استخدامها بحسب الدراسة المشار اليها فتتصدر الاحصاءات الاقتصادیة والمالیة القائمة، بحوالي 46% من مشاریع البیانات الكبیرة المحتملة، و38% لأغراض إحصاءات السیاحة، و31% لاحصاءات الأسعار، و31% لإحصاءات النقل، و31% للإحصاءات الدیموغرافیة والاجتماعیة.

وأوضحت دراسة أخرى تمت من قبل الأمم المتحدة أن هناك حكومات تواجه عدداً من المشاكل في تنفيذ مشروعات البيانات الضخمة، إذ فاق انفجار البيانات الضخمة قدرة الدول النامية عموماً، والعربية خصوصاً على استيعابها. ويتجلى هذا في الدول الأفقر التي تفتقر إلى القدرات البشرية والتقنية، وليس بمقدورها التعامل مع مشهد بيانات متضخم، فهناك نقص للقدرات البشرية، والمهارات، والموارد،ووصلات الأنترنت غير المكتملة، وإمدادات طاقة متقطعة، وتوصيل محدود في الكابلات ذات السعة العالية، ما يعني عدم تمثيل أناس كثيرين في البيانات التي جمعت على نحو منتظم رقمي.

تبذل الدول العربية جهدها في اقتناء، واستغلال الوسائل التكنولوجية، لكن يبدو أنها لاتزال في حدود النوايا الحسنة، وتفتقر إلى الاستثمار الكافي لهذه الامكانات، واستغلالها في معالجة وتحليل البيانات الضخمة للاستفادة منها بكفاية في سياساتها التنموية، إذ إنه لمن المؤسف حقاً أن البلاد العربية لم يكن نصيبها من الإستفادة من البيانات الضخمة إلا تضخمها والقليل من الفوائد التي لا تكاد تذكر بالمقارنة مع الدول الكبرى المتحكمة فيها إذ يتجلى دور البيانات الضخمة لدى تلك الدول الغير عربية حول القوى التنبؤية والتوقعات المستقبلية في مجالات مثل الصحة والتنمية والتنبؤات الإقتصادية فهي عملية تنبؤ واعدة، فعلى سبيل المثال تساعد  إستخدام أجهزة الإستشعار للحد من هدر الطعام عبر تحسين جودة المنتجات وتساعد أيضاً في إدارة المحاصيل عبر رصد الإستجابة للتغيرات داخل الحقول وفي المحاصيل مما يسمح للمزارعين بتحسين عوائدهم والحفاظ على الموارد.

وعلاوة على هذا تساعد البيانات الضخمة أيضاً الشركات التي تستخدمها مما يخلق فرص عمل جديدة ويقضي على الفقر من خلال تسخير أدوات تقنية تسلط الضوء على الفساد بشتى أنواعه، فشتان بين واقعها في الدول الأمريكية والأروبية وغيرها من الدول العظمى وبين الدول العربية

ولا بد من الإشارة إلى أن معظم البيانات الضخمة يوجد للدول العربية نصيب منها بالفعل لكن الهاجس الحقيقي هنا والمخيف فعلاً هو أن هذه البيانات الضخمة لا تملكها الدول العربية بأي شكل من الأشكال ولعل أبسط مثال على ذلك هو بيانات وسائل التواصل الإجتماعي التي لا يتسنى للبلاد العربية الإطلاع عليها أو التحكم فيها بأي شكل من أشكال السيادة أو الإعتراض.

وبالمقابل فإنه من أنجع الحلول، والتي تتطلبها المرحلة الإقتصادية الجديدة التي تدخلها معظم الدول المتقدمة بإستخدام البيانات الضخمة في إستباق إدارة الأزمات والمخاطر الأمنية والإقتصادية والتي لا علاقة للبلاد العربية بها من قريب أو من بعيد، هي أنه يجب خلق منظمة عربية بحتة لجمع البيانات الضخمة وفرض قوانين على الشركات الكبرى لحماية بيانات الشعوب العربية والرقي بها في شتى المجالات، وأضحى تبني الحكومات العربية بمؤسساتها مشروع البيانات الضخمة في استراتيجيتها الانمائية أمر ضروري.

أنشّر معنا

اذا كنت مدون ورغبتك بنشر مقالاتك، قم باضافتها وسيتم نشرها بأسرع وقت

جميع الحقوق محفوظة لموقع اقتصاديو العرب © 2021

%d مدونون معجبون بهذه: